الفساد الممنهج في المؤسسات التعليمية: كيف يتحوّل الخطأ الفردي إلى نظام متجذّر؟ – الجزء الثاني - عوائد المقررات الإلكترونية: قراءة في القواعد الحاكمة للصرف ومواطن الانحراف عند غياب الشفافية
أُنشئت منظومة المقررات الإلكترونية لتطوير التعليم وتنظيم المحتوى، والأهم: إبعاد عضو هيئة التدريس عن أي تعامل مالي مباشر مع الطالب؛ صونًا للهيبة الأكاديمية وكرامة الطرفين. الطالب يدفع عبر المنصة، والمحتوى يُتاح رقميًا، ثم تُصرف العوائد وفق ضوابط معلنة… هكذا تبدو الفكرة في نسختها النظيفة.
لكن في
الواقع—وفي بعض المؤسسات لا كلها—تدخل المنظومة أحيانًا إلى منطقة رمادية: العوائد
لا تبقى “حقًا منضبطًا”، بل تتحول إلى حكاية إدارية تتبدل فصولها حسب الحاجة،
وتُدار تحت عناوين مطاطة من نوع : التقدير الإداري، أو اعتبارات التنظيم، أو
مقتضيات التشغيل… وغالبًا لا تُفهم قواعدها كاملة إلا
بعد انتهاء الصرف.
تمهيد
يركّز
هذا الجزء على عوائد المقررات الإلكترونية داخل المؤسسات التعليمية، وعلى أبرز
أوجه الانحراف التي قد تُفرغ الفكرة من معناها:
- غياب
الشفافية في معرفة حصيلة العوائد وكيفية توزيعها.
- إخفاء
العقود أو عدم تمكين أعضاء هيئة التدريس من الاطلاع عليها.
- وضع قواعد
أو ممارسات تُسهِّل إعادة توجيه العوائد لغير الغرض الذي أُنشئت من أجله، أو اقتطاعها
من مستحقيها لصالح مراكز قوة إدارية.
أولاً:
ما هي المقررات الإلكترونية؟
بحسب
التعريفات التنظيمية المتداولة داخل منظومة الكتب/المقررات الجامعية الإلكترونية،
فإن “المقرر” لا يعني بالضرورة كتابًا ورقيًا يحمل اسم مؤلف على الغلاف، بل يشمل أي
عمل يدخل في نطاق: الابتكار، أو التأليف، أو الاقتباس، أو الترجمة، أو غير ذلك،
طالما أنه يُستخدم في تدريس مقرر جامعي. وقد يأتي في صور متعددة:
- كتاب كامل
(منشور أو غير منشور)
- فصل أو
فصول من كتاب
- نصوص
لمحاضرات نظرية
- تدريبات
عملية
- مجموعة
دروس مُعدّة إلكترونيًا للاستخدام في العملية التعليمية
- أو أي
صورة أخرى يعتمد عليها تدريس المقرر داخل الجامعة
الخلاصة
البسيطة:
المعيار ليس شكل المحتوى ولا حجمه، بل كونه محتوى
تعليميًا مُعدًّا ومستخدمًا فعليًا لتدريس مقرر في اللائحة. ومن ثمّ،
فمن قام بالإعداد—فكرًا وجهدًا ووقتًا—هو الطرف الطبيعي في الاستحقاق، متى كانت
القواعد تقر بذلك.
ملاحظة
سياقية: وردت مخاطبات رسمية عام 2021 بشأن التحول إلى الكتاب/المقرر الإلكتروني
اعتبارًا من العام الجامعي 2021–2022 وعدم تداول الكتب الورقية في ذات التخصص، وهو
ما رسّخ الإطار العام لهذه المنظومة.
ثانيًا:
العوائد… من أين تأتي وإلى أين “قد” تذهب؟
القصة
تبدأ ببساطة: الطالب لا يشتري “ورقًا”، بل يدفع مقابل إتاحة المحتوى التعليمي عبر
المنصة—محتوى أُعدّ لخدمة مقرر محدد في اللائحة. هذا هو مصدر العوائد: مبلغ
يدخل عبر قناة رسمية، ويُفترض أن يخرج عبر قناة أكثر رسمية… وفق قواعد واضحة.
وعند
نقطة التوزيع، يظهر المساران الطبيعيان لأي منظومة عادلة:
- مُعدّو
المقررات: أصحاب
الجهد التعليمي الحقيقي (محتوى، شرح، أنشطة، تدريبات، بنوك أسئلة…).
- الجهات
الإدارية/الفنية: التي
تشغّل المنصة وتدير التحصيل والدعم والمتابعة.
المعادلة
المفترضة واضحة:
“من أعد… يستحق.”
لكن حين يغيب الضوء تظهر قاعدة غير مكتوبة أشد
تأثيرًا من أي منشور:
“من لا يعرف التفاصيل… قد لا يطالب بها.”
ثالثًا:
كيف يتسلّل الفساد بهدوء؟
(دون
ضجيج… ودون ورق… وأحيانًا دون خجل)
في هذا الملف تحديدًا، الفساد لا يقتحم المشهد معلنًا عن نفسه؛ بل يزحف على أطراف النصوص كما يزحف الغبار على الملفات القديمة: يبدأ كـ “إجراء روتيني” لا يلفت الانتباه، ثم يتضخم تحت لافتة “تفسير إداري”، ثم يستقر مع الوقت كأنه “عرف” لا يُناقش. وبعدها تُغلق الدائرة بغطاء شكلي “يبدو قانونيًا”: تُحال مسألة توزيع العوائد إلى قرارات أقسام غير مختصة أصلًا بهذا التوزيع، فيتحول الحق المالي من قاعدة موحدة إلى “قرارات محلية” متعارضة—تؤدي وظيفة واحدة: تفتيت المسؤولية بحيث تصبح الجملة الجاهزة: ليس قرار الإدارة… بل قرار القسم. وهنا مكمن الخطر: تتبعثر المسؤولية إداريًا بما قد يفتح باب الاستفادة غير المنضبطة دون تحديد واضح للمساءلة.
وفيما
يلي أبرز المسارات المتكررة:
1. سياسة
“التجهيل الوقائي”
لا تبدأ
الحكاية بسرقة صريحة، بل بتجفيف المعرفة—فالجهل هنا ليس صدفة، بل أداة.
لا ضوابط منشورة يمكن الرجوع إليها، لا شرح لآلية
التوزيع، لا تدريب على الحقوق، ولا كشف حساب مفهوم. فتتحول الأسئلة البديهية إلى
“قلة ذوق”:
- كم إجمالي
المتحصلات؟
- ما بنود
المصروفات؟
- ما صافي
العوائد بعد الخصومات؟
- كيف يُحسب
نصيب كل مقرر؟ وعلى أي أساس؟
والنتيجة
محسوبة: من يسأل يُصنَّف “مُعقّد”… ومن يصمت يُكافأ بصفة “متعاون”.
2. العقد…
ذلك الكائن الخجول
العقد
وثيقة حماية لا “زينة إدارية”. لكنه في بعض البيئات يُعامل كأنه ملف حساس: لا
يُعرض، لا تُتاح نسخة، ويُكتفى بعبارة مهدئة:
“إجراءاتنا
سليمة… اتطمن.”
والسؤال
الذي يفضح الفكرة: إذا كانت سليمة… لماذا تُدار بالهمس؟
حين تُخفى الوثيقة، تُخفى معها الالتزامات، وتصبح
الحقوق قابلة لإعادة التفسير “عند اللزوم”.
3. اختلاق “آلية صرف” لاكتساب غطاء شكلي
بدلًا من الالتزام بقاعدة موحّدة لصرف عوائد المقررات وفق الضوابط المعتمدة، قد تُدفع بعض الجهات إلى إحالة مسألة الصرف إلى مجالس الأقسام لاقتراح “آلية توزيع”، وكأن الاستحقاق المالي موضوعٌ قابل للتجريب أو التفاوت من قسم لآخر. فتظهر صيغ متباينة ومتعارضة: قسم يقرر أن العائد لمُعدّ المقرر، وآخر يساوي بين من أعد مقررًا ومن أعد عدة مقررات، وثالث يقر خصم نسبة “لصالح التشغيل/الإدارة”،وقد يصل الأمر إلى أن يقرر مجلس قسم احتساب العائد عن “نصف مقرر” فقط أو تجزئته إلى ربع، ثم تُغلق المناقشة بعبارة: “هذا قرار مجلس القسم”.
4. الاستبعاد
الموسمي والابتزاز الوظيفي: حين يصبح الحق “قابلًا للقص” والمقرر “قابلًا للمصادرة”
في مسألة استبعاد المقررات من وعاء العوائد تظهر المشكلة في أكثر صورها وضوحًا: ما يبدأ على الورق كمراجعة منضبطة، ينتهي على الأرض كـ مزاج إداري متقلب. تسمع تبريرات تتبدل كالفصول: مرة لأن المقرر Online، ومرة لأنه تعلم ذاتي، ومرة “ليس كتابًا”، ومرة “المحتوى غير مطابق”، ومرة “دة سيمنار او تدريب ميداني”، ومرة—وهذه الأطرف—لأن المقرر “مجرد قطعة قراءة وعليها تمارين… فلا يُعد مقررًا”! ثم بعد جولة مساومة تُقدَّم لك “تسوية” باردة من نوع: “نحسبه بنص كتاب… أو بربع كتاب… ونبدأ من الدفعة الجاية”—وكأن الاستحقاق يمكن تقطيعه بالمسطرة للأسف هذا ما يحدث في بعض البيئات التعليمية.
والأخطر أن هذه الممارسات—استبعادًا وابتزازًا—ليست حادثًا عابرًا؛ بل تكررت منذ بدء العمل بمنظومة الكتب/المقررات الإلكترونية، بما يجعلها نمطًا مستقرًا تستدعي فحصًا وتدقيقًا، وقد تترتب عليها آثار عند ثبوتها وفق الإجراءات النظامية. ومن ثمّ فإن من تضرر منها يملك حقًا أصيلًا في المطالبة باستحقاقاته وفق القواعد المعلنة - بأثر رجعي عن الفترات السابقة، عبر المسارات الرسمية، مع إلزام الجهة المختصة بـ معيار مكتوب يُقاس عليه، وقرار مُسبب يُناقش، ومسار تظلم واضح يُلجأ إليه. فحين تصبح الأسباب شفوية، يصبح الاستبعاد بلا سقف… ويغدو السقف الوحيد هو قدرة المتضرر على الصمت.
5.
الترهيب العلمي: “محتواك قد يوديك التحقيق!”
بدل
التوضيح والتدريب، يُستخدم الخوف: تُصوَّر المادة التعليمية وكأنها “مؤلف فريد” قد
يتحول إلى قضية، وكأن كلية تضم آلاف المقررات مطالبة بإنتاج آلاف الكتب الورقية
المعتمدة وإلا فلتفتح التحقيقات!
بدل شرح الفروق بين “محتوى تعليمي” و“كتاب منشور”
وحدود الاقتباس… يُختصر كل شيء في رسالة واحدة: “إياك… الموضوع كبير.”
فتكون النتيجة متوقعة: تنازل “احتياطي” تحت عنوان
“خليك في الأمان”، بينما الأمان هنا يعني غالبًا: التنازل
عن حق واضح قبل أن يُطالب به.
6. حيلة
الأدب والقصص: “بتدرّسوا روايات… فين التأليف؟”
يُقال
لبعض التخصصات: “أنتم بتدرّسوا نصوصًا عالمية… إذن لا استحقاق.”
ويُشار إلى شكسبير أو جوته أو توماس مان أو هوغو
أو فلوبير أو كامو… وكأن تدريس هذه الأعمال يعني أن الأستاذ وضع الرواية على
المكتب وغادر!
والخلط هنا مقصود: الاستحقاق ليس ثمن امتلاك النص
الأصلي، بل مقابل إعداد المحتوى التعليمي: شرح
وتحليل، اختيار مقاطع، بناء أسئلة، تصميم أنشطة، تقويم، توجيه قراءات… أي تحويل
الأدب من “قراءة” إلى “تعلم”.
7. المساومة
الناعمة: “هات جزء… علشان الألفة”
يُقال:
“علشان الألفة جوّه القسم… علشان محدش يبص لحد… هات جزء من مستحقاتك.”
في الظاهر دعوة للود، وفي الجوهر خلط بين الحق
والصدقة. والأسوأ أنها قد تتحول لستار يسمح لبعض المسؤولين بتوسيع نصيبهم بعيدًا
عن القواعد، دون كشف توزيع واضح أو معيار معلن.
ويُقدم الأمر كتبرع “اختياري”… اختياري لدرجة أن
الرفض قد يُترجم إلى: “غير متعاون”.
من
الاستثناء إلى النظام… وكشف الحساب هو الاختبار
تتحول
المشكلة إلى فساد ممنهج حين تجتمع ثلاثة عناصر قاتلة: مالٌ
متكرر يدخل كل فصل، وإجراءاتٌ معقدة لا يفهمها
إلا من يمسك بالمفاتيح، وغيابُ شفافية يمنع السؤال ويعطّل الرقابة؛ عندها
لا يصبح التحايل احتمالًا، بل نتيجة شبه حتمية تبدأ كاستثناء ثم تستقر كعرف ثم
تُقدَّم كنظام يُطلب منك احترامه لا فهمه. والحل—إذا أرادت المؤسسة حماية نفسها
قبل الأفراد—ليس منصات جديدة ولا شعارات أطول، بل خطوات بسيطة تُفسد أي انحراف:
قواعد صرف ومعايير استحقاق مكتوبة ومعلنة، عقود أو ملخص قانوني ملزم متاح، تقرير
دوري يوضح إجمالي التحصيل والمصروفات وصافي العوائد وطريقة التوزيع، منع الاستبعاد
إلا بقرار مُسبب ومسار تظلم واضح، وفصل إسناد التدريس عن صرف العوائد حتى لا يصبح
المال أداة ضغط. فالمقررات الإلكترونية مشروع إصلاحي في الأصل، لكن حين تُدار
عوائدها خارج الضوء يتحول الإصلاح إلى باب للفوضى، ويصبح حق الأستاذ “مجاملة”
والمعلومة “مِنّة” والسؤال تهمة… وفي النهاية يبقى السؤال الذي لا يموت:
إذا كان كل شيء صحيحًا… فلماذا لا نراه؟