الثلاثاء، 9 يونيو 2026

زيادة راتب الأستاذ الجامعي: مطلب عادل يبدأ من الشفافية وكسر حاجز الخوف



ليست أزمة أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الحكومية أزمة مرتبات فقط، رغم أن تحسين الدخل مطلب عادل وضروري ومستحق. فالأستاذ الجامعي، بما يحمله من أعباء تعليمية وبحثية وإدارية ومجتمعية، يستحق دخلًا كريمًا يتناسب مع مكانته ودوره. لكن اختزال الأزمة في المطالبة بزيادة الراتب وحدها قد لا يكون كافيًا، لأن جزءًا كبيرًا من المشكلة يرتبط بطريقة إدارة الموارد داخل الجامعات، ومدى وضوح قواعد توزيعها، ومدى قدرة أعضاء هيئة التدريس على ممارسة دورهم الرقابي دون خوف أو تردد.

لقد توسعت الجامعات الحكومية خلال السنوات الأخيرة في مصادر دخلها الذاتي، من خلال البرامج الخاصة، ونظم الساعات المعتمدة، والكتب الإلكترونية، والخدمات التعليمية المختلفة. وهذه الموارد، إذا أُديرت بعدالة وشفافية، يمكن أن تسهم في تحسين أوضاع جميع عناصر العملية التعليمية: أعضاء هيئة التدريس، والهيئة المعاونة، والإداريين، والفنيين، والعمال.

لكن المشكلة تبدأ عندما تزيد الموارد ولا تزيد معها الشفافية.
وتتفاقم عندما لا يعرف عضو هيئة التدريس كيف تُحسب مستحقاته، ولا على أي أساس توزع عوائد البرامج أو الساعات المعتمدة أو الكتب الإلكترونية، ولا لماذا تتسع فجوة الدخل بين زملاء من الدرجة العلمية نفسها دون معايير معلنة ومفهومة.

والأخطر من ضعف الدخل أن تظهر، في أي مؤسسة، ملاحظات أو شبهات أو وقائع تستدعي الفحص بشأن طريقة توزيع العوائد أو إدارة الموارد، ثم لا تتم مراجعتها بجدية كافية. فإذا ثبت وجود خلل أو مخالفة، فإن حماية المؤسسة لا تكون بالصمت أو التجاهل، بل بالمراجعة والمحاسبة وتصحيح المسار. فسمعة الجامعة لا تُحمى بإخفاء الأخطاء، وإنما تُحمى بإثبات أن لديها من الشفافية والقوة ما يكفي لمواجهة أي خلل داخلها.

ولا تقل خطورة عن ذلك أي ممارسات قد تمس النزاهة الأكاديمية ذاتها، مثل تعديل اللوائح الدراسية أو المقررات أو توزيع الأعباء التعليمية بطرق غير واضحة أو خارج المسارات المؤسسية السليمة. فهذه الأمور، إن حدثت، لا تمس حقوق أعضاء هيئة التدريس فقط، بل تمس جودة التعليم، وحقوق الطلاب، ومصداقية الدرجة العلمية، وصورة الجامعة أمام المجتمع.

ومن غير المقبول أن يشعر أستاذ مقرر ما بأنه تحت ضغط إداري أو معنوي بسبب مقرر يدرسه، أو بسبب موقفه من آلية توزيع عوائده، أو بسبب تمسكه بحقوقه العلمية والمالية. فاللوائح الدراسية والمقررات ليست أدوات للضغط أو المجاملة أو تصفية الحسابات، بل وثائق أكاديمية يجب أن تُدار من خلال المجالس المختصة، ووفق إجراءات معلنة وموثقة.

الأزمة الحقيقية هنا ليست فقط في احتمال وجود خلل، بل في أن يخاف عضو هيئة التدريس من السؤال عنه.

يخاف من طلب المستند.
يخاف من الرجوع إلى اللائحة.
يخاف من الاعتراض المؤسسي.
يخاف من أن يوصف بأنه مثير للمشكلات.
وربما يصمت حفاظًا على جزء يسير من حقوقه، بدلًا من أن يطالب بحقه كاملًا داخل منظومة عادلة وواضحة.

وهنا تكمن الخطورة.

حين يصمت الأستاذ الجامعي خوفًا على مكافأة محدودة، أو فرصة مشاركة، أو رضا مسؤول، فإن الخسارة لا تقع عليه وحده، بل تقع على الجامعة كلها. لأن الصمت يوسع دائرة الغموض، ويجعل الحقوق تبدو كأنها منح شخصية، ويفتح الباب أمام تركّز الفرص والمناصب والعوائد في يد عدد محدود من الأشخاص.

بل إن الخوف قد يتحول أحيانًا إلى مجاملة مفرطة لمن يملكون سلطة التوزيع أو الترشيح أو الإسناد. وهنا تنتقل الأزمة من كونها أزمة مالية إلى أزمة ثقافة مؤسسية. فالمؤسسة التي تكافئ الصمت، وتضيق بالسؤال، وتخلط بين النقد والإساءة، لا يمكن أن تحقق عدالة حقيقية بين أبنائها.

إن الدور الرقابي لأعضاء هيئة التدريس ليس ترفًا، وليس خروجًا على النظام، وليس عداءً للإدارة. بل هو جزء أصيل من المسؤولية الأكاديمية والمهنية. عضو هيئة التدريس ليس مجرد منفذ للتعليمات، بل شريك في حماية الجامعة، وصاحب مصلحة مباشرة في نزاهة قراراتها، وعدالة مواردها، وسلامة لوائحها.

والرقابة هنا لا تعني التشهير، ولا الشخصنة، ولا إطلاق الاتهامات دون دليل. الرقابة الحقيقية تعني السؤال المؤسسي المحترم:

أين القاعدة؟
أين اللائحة؟
أين محضر المجلس؟
ما معايير توزيع العوائد؟
ما ضوابط اختيار المشاركين؟
كيف تُحسب المستحقات؟
من يراجع؟
من يحاسب؟
وما آلية التظلم أو الاعتراض؟

هذه الأسئلة لا تهدد الجامعة.
هذه الأسئلة تحمي الجامعة.

ومن هنا، فإن المطالبة بزيادة المرتبات وحدها لن تكفي إذا لم ترتبط بمطلب أوسع: إصلاح إدارة الموارد داخل الجامعات، وإعلان قواعد توزيع العوائد، ومنع تضارب المصالح، وضمان عدم تركّز المناصب والفرص في يد فئة محدودة، وحماية حق عضو هيئة التدريس في السؤال والاعتراض دون خوف أو تشويه.

كما يجب أن يكون واضحًا أن حماية المؤسسة لا تعني حماية الأشخاص من المساءلة. فالمؤسسات القوية لا تضعف عندما تراجع أداء مسؤوليها، بل تزداد قوة وثقة. أما الخلط بين سمعة المؤسسة وبقاء أي مسؤول بعيدًا عن النقد أو المراجعة، فهو خلط يضر بالمؤسسة قبل أن يضر بالأفراد.

المطلوب اليوم ليس صدامًا ولا فوضى، بل شجاعة مؤسسية.
ليس تشهيرًا، بل توثيق.
ليس اتهامًا مرسلًا، بل مطالبة بالمستندات والقواعد.
ليس عداءً للإدارة، بل دفاعًا عن الجامعة نفسها.

على أعضاء هيئة التدريس أن يستعيدوا دورهم الرقابي من داخل المسارات المشروعة: مجالس الأقسام، ومجالس الكليات، واللجان المختصة، والمذكرات الرسمية، وطلبات الإفصاح، وآليات التظلم، وكل طريق قانوني وإداري متاح. فالصمت لا يحمي الحقوق، والخوف لا يصنع عدالة، والمجاملة لا تبني جامعة محترمة.

إن الأستاذ الجامعي الذي يعلّم طلابه التفكير النقدي لا يليق به أن يخاف من سؤال إداري مشروع. والجامعة التي تتحدث عن الجودة والاعتماد والتميز لا يليق بها أن تضيق بالشفافية أو تتردد في مراجعة قراراتها المالية والأكاديمية.

زيادة راتب الأستاذ الجامعي مطلب عادل.
لكن العدالة لا تتحقق بالزيادة وحدها.
فالزيادة دون شفافية قد تترك نفس المشكلات قائمة، والموارد دون رقابة قد تتحول إلى مصدر جديد للتفاوت والإحباط.

أزمة أعضاء هيئة التدريس ليست فقط في ضعف المرتبات.
إنها أزمة عدالة، وشفافية، وشجاعة، ودور رقابي غائب أو مُعطل بفعل الخوف.

والخطوة الأولى نحو الإصلاح أن يدرك الأستاذ الجامعي أن حقه لا يُطلب همسًا، ولا يُترك للمجاملات، ولا يُختزل في منشور غضب على مواقع التواصل. حقه يُحمى بالوعي، والتنظيم، والتوثيق، والسؤال، والتمسك باللوائح، ورفض تحويل الموارد العامة داخل الجامعة إلى مساحات غامضة لا يعرف أصحاب الحق كيف تُدار.

الجامعة لا تُحمى بالصمت.
ولا تُصان سمعتها بإخفاء الخلل.
ولا تستعيد مكانتها إلا حين تكون الشفافية قاعدة، والمحاسبة مبدأ، والسؤال حقًا، والرقابة مسؤولية.

فالحقوق لا تضيع فقط عندما تُنتقص، بل تضيع أيضًا عندما يخاف أصحابها من المطالبة بها.

وزيادة الراتب التي نطالب بها جميعًا لن تكون كريمة ومؤثرة إلا إذا جاءت ضمن منظومة أوسع: منظومة تعرف قيمة الأستاذ الجامعي، وتحترم حقه في المعرفة، وتحمي صوته الرقابي، وتضمن أن موارد الجامعة تعود بعدالة على كل من يشارك في بنائها. 

الاثنين، 12 يناير 2026

السراج حين خفت نوره (توثيقٌ أدبيّ لمرحلةٍ مضطربة في مؤسسةٍ تعليمية)

 


السراج حين خفت نوره

توثيقٌ أدبيّ لمرحلةٍ مضطربة في مؤسسةٍ تعليمية

لم تكن دار السِّراج مجرّد مؤسسة تعليمية، بل وعدًا. وعدًا يتداوله الآباء حين يتحدثون عن مكانٍ “يصنع الإنسان” قبل أن يمنحه شهادة. لسنواتٍ طويلة، كان هذا الوعد قائمًا لا لأن اللافتات براقة، بل لأن القاعات كانت حيّة: أستاذ يشرح ليُفهِم، طالب يسأل ليعرف، ونقاشٌ يصنع عقلًا لا يحفظ صفحة.

ثم جاءت سنواتٌ تغيّر فيها كل شيء… دون أن يتغيّر المبنى.

بدأ الأمر بما يمكن أن يُسمّى—على الورق—ترتيباتٍ تنظيمية. قيل إن الفصل الصيفي سيُعاد ضبطه، وإنه فرصةٌ مرنة لمن تعثّر أو تأخر. وفي نظام الساعات المعتمدة، لا يُفترض أن يكون الصيف أقل شأنًا من فصل الخريف أو الربيع؛ بل فصلٌ كاملٌ في القيمة والمسؤولية، له متطلبات التدريس ذاتها، ومعايير الانضباط ذاتها، وحق الطالب في التعلّم قبل التقييم. استقبل الناس الخبر بأملٍ طبيعي: أن يكون الصيف مساحة تعلّم إضافية، لا مجرّد محطة إسعاف سريعة.

لكن الذي بدأ يتشكّل في ذاكرة الدار—في هذه الحكاية—كان مختلفًا. شعورٌ متزايد بأن الامتحانات تتسع، بينما التدريس يتقلّص، أو يُقدَّم بصورةٍ لا تكفي لتبرير امتحانٍ يُفترض أن يقيس ما تم تعلّمه. ومع هذا التقلّص، ظهرت تساؤلاتٌ أشد حساسية—تُقال هنا بصيغة الاحتمال لا الجزم—حول ما إذا كان تفريغ الفصل من التدريس قد فتح بابًا لاستغلالٍ إداريّ: تخفيض أعباء التدريس على الورق، والتعامل مع مستحقات أعضاء هيئة التدريس بقدرٍ أقل مما يليق بطبيعة فصلٍ كامل، أو تمرير ترتيبات مالية غير منصفة تحت غطاء “إجراءات” لا تُراجع بدقة. وهنا لا تُلقى التهم على أشخاص، بل يُشار إلى مأزقٍ معروف: حين تُسند المسؤولية إلى من لا يفقه طبيعة النظام، والأسوأ أن يظنّ أنه يُحسن وهو لا يدرك حدود جهله، تتولد قراراتٌ تبدو منظمة في ظاهرها، لكنها تُفرغ الفصل من معناه وتؤذي التعليم والحقوق معًا.

ومع الوقت تغيّرت لغة القاعات. تراجع السؤال الطبيعي: “هل فهمنا؟” وصعد سؤالٌ آخر أشد فقرًا: “هل سنجتاز؟”. وهذا التحول لا يبدو كبيرًا لأول وهلة، لكنه خطير؛ لأنه يبدّل معنى المؤسسة التعليمية من بيت معرفة إلى مصنع درجات. حينها لا يعود الطالب شريكًا في العلم، بل متلقّيًا لنتيجة، ولا يعود الأستاذ قائدًا لعملية التعلّم، بل شاهدًا على إجراءات تمضي من دونه.

وفي وسط هذا الارتباك، ظهر تحوّلٌ زاد المشهد ضبابًا: صار التعليم “عن بُعد” حاضرًا على نطاقٍ واسع. الفكرة في أصلها ليست موضع اعتراض؛ فالتعلّم الإلكتروني قد يكون خيارًا جيدًا حين تُضبط معاييره وتُحفظ حقوق أطرافه. لكن ما أثار الأسئلة داخل دار السِّراج—في روايتنا—أن التحوّل بدا أحيانًا وكأنه يجري بصورةٍ لا تطمئن من حيث الضوابط: متى يُعتمد؟ وكيف يُوثّق؟ وما الذي يضمن تكافؤ الفرص؟ وما الحد الأدنى للتفاعل والتقييم؟ هذه ليست أسئلة تقنية، بل أسئلة عدالة، والعدالة هي روح أي مؤسسة تعليمية.

ومع التوسع في هذا النوع من التعليم، ظهرت مقرراتٌ تُقدَّم تحت مسميات مثل “تعليم ذاتي” و“أونلاين” بصورةٍ أثارت علامات استفهام إضافية. لم يكن الاعتراض على المسمّى بحد ذاته، بل على ما قيل إنه الهدف غير المعلن—وفق ما كان يتناقله الناس داخل الدار—وهو أن تُستخدم هذه الصيغ كوسيلة لتقليل الالتزامات التدريسية وما يترتب عليها من مستحقات، بما قد يفضي إلى هضم حقوق أعضاء هيئة التدريس أو تقليصها دون سندٍ واضح. وزاد من حدّة هذا الانطباع—في الحكاية—أن هذه المسميات نفسها بدت وكأنها تتراجع أو تختفي سريعًا بعد زيارة لجنة خارجية، وأنها حُذفت من نسخٍ من اللوائح كان يدور حولها جدلٌ واسع؛ لوائح قيل إنها عُدّلت على عجل أو دُوّنت بصيغٍ لا تطمئن، حتى وصفها البعض بأنها “لوائح محل اشتباه” أكثر من كونها قواعد مُستقرة. لا يُقدَّم هذا بوصفه دليلًا قاطعًا، لكنه يصف منطقًا مألوفًا: ما يظهر بقوة قبل الرقابة قد يبهت بعدها إذا كان وجوده هشًّا أو غير قابل للدفاع عنه.

ومع امتداد الارتباك، بدأت تظهر—بحسب ما كان يُتداول همسًا—مؤشرات على مناخٍ ضاغط داخل الدار يمسّ حقوق أعضاء هيئة التدريس: تكليفات غير مستقرة، قرارات تأتي ثم تتبدل، صيغٌ تُفهم كتهديدٍ مبطّن، وطرق إدارة تجعل الأستاذ يوازن بين قول الحقيقة وبين ثمنها. ومع هذه الضغوط، شاعت ثقافة خوفٍ لا تحتاج إلى قرار مكتوب كي تعمل: يكفي أن يشعر الناس بأن الاعتراض يُكلّف، وأن السؤال قد يُسجَّل على صاحبه لا لصالح المؤسسة.

وفي مثل هذه الأجواء، تنتشر الإشاعات كما تنتشر النار في مكانٍ جاف. ليست الإشاعة حبًا في الإشاعة، بل لأنها تُولد حين تغيب المعلومة. وحين يغيب البيان الواضح، يتحول الهمس إلى مصدر “معرفة بديلة”، ويتحول القلق إلى سلوك يومي، ويصبح الجو العام ملوّثًا: ثقةٌ تتراجع، وتعاونٌ يضعف، وحساسيةٌ مفرطة تجعل كل قرارٍ يبدو كأنه رسالة ضغط.

وفي الحكاية، برزت شخصية إدارية نافذة تعرف بلقبٍ متداول ظلّ الإدارة.لن نذكر اسمًا ولن نحدّد هوية، لأن الهدف ليس توجيه اتهام لشخص، بل تصوير نمط إدارة قد يظهر في أي مؤسسة إذا ضعفت الرقابة: لغةٌ منمقة عن الجودة والحوكمة، مقابل واقعٍ يتعثر في أبسط ما يثبت الجودة فعلًا—التدريس، وضوح اللوائح، عدالة التقييم، واحترام الحقوق.

ثم جاءت لحظةٌ مفصلية في ذاكرة الدار: زيارةٌ مفاجئة من جهة تقييمية (هكذا قيل). الزيارات المفاجئة في أصلها اختبارٌ لصدق المؤسسة: أن يرى الزائر الحياة كما هي. لكن ما جعل تلك الزيارة تُحفر في الذاكرة—في هذه الرواية—هو الإحساس بأن الاستعداد لها لم يكن طبيعيًا. في ساعاتٍ قليلة تحولت الدار إلى ورشة ترتيب سريع: أوراق تُرتَّب، جداول تُكتب من جديد بصورة أنيقة، عبارات تُعلّق، وممرات تُهذَّب. لا أحد يعترض على النظام، لكن السؤال الذي وُلد في القلوب كان بسيطًا ومؤلمًا: هل نُعدّ الحقيقة… أم نُعدّ صورتها؟

وهنا نصل إلى أخطر نقطة في أي مؤسسة تعليمية: الرواية الجاهزة. قيل في أحاديث متفرقة إن بعض من طُلب حضورهم كانوا مختارين بعناية: ليس بالضرورة لأنهم الأكثر اطلاعًا، بل لأنهم “الأكثر أمانًا” في نظر الإدارة. لم تُستخدم كلمات صريحة، بل عباراتٌ عامة من النوع الذي لا يترك أثرًا مكتوبًا: “سمعة الدار أولًا”، “لا نريد تضخيم الأمور”، “مرحلة وتنتهي”. وبين الخوف والحرص، قد يصبح الإنسان جزءًا من مشهدٍ لا يريده، لكنه لا يملك شجاعة كسره.

المشكلة ليست في اختلاف الشهادات، بل في تشابهها المفرط. فحين تتطابق الروايات بصورةٍ واحدة تقريبًا، ينشأ التساؤل تلقائيًا: هل هذا وصفٌ طبيعي لواقعٍ واضح، أم نتيجةُ تنسيقٍ غير معلن؟ وفي الحكاية، خرجت الزيارة كما تخرج كثيرٌ من الزيارات: دون صدامٍ ظاهر، وبخلاصة “مطمئنة”. ثم ظهرت العبارة التي تُغلق الأوراق ولا تُغلق الذاكرة: “تم الاجتياز”.

لكن التعليم ليس ورقةً تُختم. التعليم أثرٌ يُرى في الطالب، وطمأنينةٌ تُرى في الأستاذ، ونزاهةٌ تُرى في طريقة اتخاذ القرار. إن كانت الأمور بخير حقًا فشواهدها لا تختبئ: محتوى مُقدَّم بوضوح، ساعات تدريس موثقة، تفاعل يُقاس، تقييم عادل، ومسارات لائحية مستقرة يفهمها الجميع. وإن كانت هناك ثغرات، فالمؤسسة القوية لا تخاف من السؤال، بل تستقبله كفرصة تصحيح.

في سنوات دار السِّراج—في هذه الحكاية—لم يكن الألم الأكبر في امتحانٍ دون درسٍ كافٍ، ولا في “أونلاين” جاء قبل أن تُضبط قواعده، ولا في لوائح تتبدل دون شرحٍ مطمئن… بل في شيءٍ أعمق: تهشيم الضمير الأكاديمي. حين يتعلم الطالب أن الحقيقة تُدار لا تُقال، وحين يشعر الأستاذ أن الصمت أكثر أمنًا من النزاهة، وحين تصبح الحقوق—بما فيها الحقوق المالية—موضوع تساؤلاتٍ لا جواب لها، تتعب المؤسسة حتى لو بدا شكلها متماسكًا.

لهذا يُكتب هذا النص بوصفه توثيقًا أدبيًا متخيّلًا هدفه التحذير لا التشهير: أن المؤسسات التعليمية لا تُحمى بتلميع الصورة، بل بآليات شفافة تُجيب عن الأسئلة، وبقواعد ثابتة تُطبّق على الجميع، وبضمانات تحفظ كرامة أعضاء هيئة التدريس وحقوق الطلاب معًا. وأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي كلية ليس النقد، بل تحويل النقد إلى “ممنوع”، وتحويل السؤال إلى “خطر”، وتحويل التحقيق إلى “إجراء ينتهي قبل أن يبدأ”.

إذا كانت دار السِّراج قد عرفت زمنًا خفت فيه الضوء، فالسراج لا يعود بطلاء الجدران، ولا بجمال اللافتة، بل بعودة النور الحقيقي إلى القاعات: درسٌ قبل ختم، شفافيةٌ قبل شعار، وعدالةٌ قبل مجاملة.

في المراحل المضطربة، لا تكون الكارثة في خطأٍ إداريّ وحده، بل في تحويل الحقيقة إلى “رواية مريحة”. وحين تُتداول لوائحٌ محلّ شبهة تزوير أو تُستخدم نسخٌ غير واضحة الاعتماد ثم تُمحى آثارها عند الرقابة، يصبح العبث بالورق عبثًا بمصير الناس.

الأخطر من ذلك أن يظهر “شهود” يجمّلون الواقع أو يصمتون صمتًا متواطئًا؛ فالشهادة في مؤسسة تعليمية أمانة، لا مجاملة، ولا وسيلة نجاة. شهادةٌ تُزيّف المعنى تُعلّم الطالب أن الكذب حلّ، وتقول للأستاذ إن النزاهة عبء.

هذا النص لا يطلب تشهيرًا، بل يذكّر بقاعدة واحدة: لا تعليم بلا صدق، ولا مؤسسة تعليمية تُنقَذ بملفاتٍ منسّقة أو شهاداتٍ مطمئنة. السراج لا يعود بالطلاء… بل بقول الحقيقة كما هي، وبالتحقق الشفاف، وبحماية الحق قبل حفظ الصورة.



“هذا النص عملٌ أدبيّ متخيَّل، وأي تشابه مع وقائع أو أشخاص حقيقيين هو محض صدفة، ولا يُقصد به توجيه اتهامٍ إلى أي فردٍ أو جهة.”

الخميس، 1 يناير 2026

ماذا يحدث عندما يُدار التعليم بالاستعراض؟

 

ماذا يحدث عندما يُدار التعليم بالاستعراض؟

عندما تتحول الإدارة إلى سلطة مغلقة:

كيف تفسد بعض البيئات الجامعية معنى التعليم… وتربّي الطلبة على الصورة قبل العلم؟

مقدمة

المؤسسة التعليمية – أياً كان اسمها أو موقعها – يُفترض أن تكون مكانًا تُصان فيه قيمة المعرفة، ويُحترم فيه الإنسان، وتُدار فيه الأمور بمعايير واضحة، لا بأهواء خفية.

لكن في بعض البيئات الجامعية، ينقلب المفهوم رأسًا على عقب:
تتحول الإدارة من “خدمة للمكان والناس” إلى “سلطة على المكان والناس،
من المسؤولية إلى السيطرة،
ومن حماية الحقوق إلى توزيعها كغنائم.

هناك، لا يُقاس نجاح المسؤول بما يصل إليه الطالب من فهم، بل بما تصل إليه عدسة الكاميرا من زوايا.
ولا تُراجع البرامج بما فيها من محتوى، بل بما فيها من صور أنيقة وتقارير مصقولة.

في مثل هذه البيئات، يتحول التعليم إلى ديكور،
والقانون إلى ديباجة تعلق على الجدار،
والشفافية إلى تهمة،
وأبسط سؤال مهني إلى “وقاحة” تستحق التأديب.

أولاً: حين تصبح الصورة أهم من الفكرة

في بعض البيئات الجامعية، يبدو أن أهم “مخرج تربوي” هو ألبوم الصور لا دفاتر الملاحظات.

نرى ذلك واضحًا في:

  • استعدادات محمومة لليوم “المصوَّر،
  • تزيين قاعات عروض السمينار ومشاريع التخرج أكثر من تزيين العقول بالمحتوى،
  • انشغال الادارة بـ “كيف سيظهر المشهد؟” أكثر من سؤال “ماذا حدث فعلًا طيلة الفصل؟”.

يُستدعى الطلاب لعروضهم النهائية وكأنهم مدعوون لحفل أزياء لا لمناقشة جهد علمي:
بدلة جديدة، حذاء لامع، فستان “يليق بالمناسبة”، مظهر “يشرف المكان” كما يُقال.

المشكلة ليست في الأناقة؛
المشكلة في أن كثيرًا من هؤلاء الطلاب يتحركون تحت ضغط مادي رهيب:

  • أسر تُجبَر على شراء ملابس لا تستطيعها،
  • وطلاب يحسبون ثمن القميص وربطة العنق قبل ثمن الكتاب والمرجع.

الرسالة التي تلتصق بذاكرة الطالب لا تحتاج شرحًا طويلًا:

المهم أن تبدو كما يريدون… أما ما تعرفه فعلاً، فهذا أمر ثانوي.”

ثانيًا: ضحكة المسؤول… ووجه المؤسسة الحقيقي في عيون الطلبة

في اليوم الكبير:
مسؤول يمر بين الصفوف، يتفقد اللوحات، يتبادل النكات الخفيفة، يلتقط الصور بابتسامة واسعة.

كل شيء يبدو مثاليًا في عدسة المصور:

  • طلاب أنيقون،
  • عروض معروضة على شاشات،
  • كلمات ترحيب وتصفيق منظم.

لكن ما تراه عين الطالب شيء آخر تمامًا:

  • مادة كاملة لم تُشرح كما يجب،
  • إشراف أكاديمي تم على عجل،
  • تساؤلات لم يُسمح لها أن تُطرح؛ لأن الوقت “لا يحتمل التعطيل”.

ضحكة المسؤول هنا ليست مجرد “بشاشة وجه”، بل غطاء رقيق لواقع يعرفه الجميع:

هناك خلل… لكن لا أحد يريد أن يراه في الصورة.

هكذا يتعلم الطالب، مبكرًا جدًّا، أن:

  • السلطة تستطيع أن تمر فوق النقص،
  • وأن الشكل يمكن أن يمحو الأسئلة،
  • وأن الصمت على ما يحدث جزء من “الأدب” المطلوب.

ثالثًا: السيمينار ومشروع التخرج… عرض مسرحي أم اختبار علمي؟

في بعض البيئات الجامعية، يتحول السيمينار ومشروع التخرج إلى تمرين على إدارة الانطباع لا على البحث العلمي:

  • الشرائح الملونة أكثر دقة من الأفكار المعروضة فيها.
  • طريقة الوقوف ونبرة الصوت تحسم الانطباع، حتى لو كان المحتوى متوسطًا أو ضعيفًا.
  • الأسئلة – إن طُرحت – تدور غالبًا حول الإطار، لا حول العمق.

لا أحد يعترض على العرض الجيد؛
لكن حين يشعر الطالب أن ساعات تجهيز “البارو بوينت” أهم من شهور القراءة الجادة، فهناك رسالة خفية تُغرس فيه:

أدهِشهم بالعرض، ولن يسألك أحد بجدية ماذا كان يمكنك أن تقدِّم لو توافرت بيئة علمية حقيقية.”

رابعًا: الامتحان… حين يصبح جزءًا من الديكور

الامتحان – نظريًّا – هو لحظة الحقيقة.
لكن في بعض البيئات، يتحول إلى فصل جديد من فصول “إدارة المظهر”:

  • قاعات منضبطة في الظاهر،
  • أوراق مطبوعة جيدًا،
  • مراقبون يتحركون في الممرات

لكن الطالب يعرف – بالتجربة – أن:

  • فرص الغش مرتفعة في بعض اللجان،
  • وأن الرقابة تغمض عينيها أحيانًا “حرصًا على الهدوء،
  • وأن نجاة الشكل أهم من نجاة المبدأ.

والمفارقة المؤلمة أن بعض الأساتذة أنفسهم يدركون ما يجري، لكنهم يلوذون بالصمت؛ لأن الاصطدام مع هذه المنظومة قد يكلفهم أكثر مما يحتملون.

بهذه الطريقة، يتخرج طالب وهو يحمل شهادة، ويعلم في داخله:
أنه اجتاز موادّ لم يتقنها،
وأن النظام نفسه كان شريكًا صامتًا في ذلك.

أي رسالة أعمق من هذه يمكن أن تُفسد ضميرًا ناشئًا؟

خامسًا: ملامح الإدارة السلطوية الفاسدة في هذه البيئات

إذا حاولنا تلخيص ما سبق في ملامح واضحة، سنجد أمامنا نمطًا يتكرر:

1. الاستيلاء على الحقوق وتحويلها إلى “مِنّة

الحق المالي أو المهني لا يُعامل كاستحقاق، بل كإشارة رضى:

  • يُمنح لمن يَسكت ويُجامل،
  • ويُماطَل مع من يسأل ويتحفظ.

اللوائح موجودة، لكن استدعاءها انتقائي، يُستخدم حين يخدم السلطة، ويُهمل حين يقيّدها.

2. صناعة صورة دائمة الإضاءة لواقع معتم

تقارير، صور، فعاليات متلاحقة
كل شيء يحكي عن نجاح لا يتوقف، أما داخل القاعات والمختبرات، فصورة مختلفة تمامًا:
نقص في إمكانات، تعب بلا تنظيم، وتعبير صامت عن سخط لا يجد طريقه إلى السجلات.

3. نشر ثقافة الخوف بدل ثقافة الحوار

في هذه البيئات، الجملة غير المنطوقة هي:

لا تفتح هذا الملف… لا تطرح هذا السؤال… ولا تقترب من تلك المنطقة.”

يصبح النقد “قلة أدب،
والمطالبة بالشفافية “تشكيكًا،
والمشاركة في النقاش “مجازفة غير محسوبة”.

4. التجسس الناعم وإدارة الناس بالشك

بدل أن تُفتح أبواب الحوار، تُفتح آذان للهمس:

  • من قال ماذا؟
  • من كتب هذا؟
  • من اشتكى هناك؟

تُجمع القصاصات، وتتراكم الانطباعات، ويُصنَّف الناس خلف ظهورهم، حتى ينشغل الجميع بالحذر من بعضهم البعض.

5. التشويه كعقاب على الاعتراض

من يعترض لا يُجابَه بحجة، بل يُواجَه بصورة.
تُكتب عنه تقارير فضفاضة، تُلقى عليه تهم مطاطة من نوع “غير متعاون”، “يثير المشاكل”، “سلبي”، وكأن المطلوب من الجميع أن يصفقوا طوال الوقت، ولو كان المسرح يحترق.

6. تكوين “حلقة حماية” مغلقة

مع الوقت، تتشكل دائرة ضيقة حول مركز القرار:

  • تحصل على النصيب الأكبر من الفرص،
  • وتملك القدرة الأكبر على التأثير في التقييم،
  • وتعيش من مصلحة استمرار هذه اللعبة كما هي.

خارج هذه الدائرة، هناك كثيرون يعملون بجد، لكنهم يشعرون أن سقفهم الزجاجي منخفض، وأنهم كلما حاولوا الوقوف مستقيمين اصطدمت رؤوسهم بهدوء بواقع لا يرحب بالاستقامة كثيرًا.

سادسًا: ماذا يتعلم الطالب من كل ذلك؟

من مشهد البدلة التي أغلى من الكتاب،
ومن امتحان يمر بالغش أكثر مما يمر بالتحصيل،
ومن مسؤول يبتسم للصورة ويشيح بوجهه عن السؤال الجاد،

يتعلم الطالب – دون محاضرة – أن:

  • التجميل أقوى من الحقيقة،
  • والولاء للشكل مقدَّم على الولاء للقيم،
  • وأن النظام نفسه في تلك البيئات لا يحترم قواعده إلا في حدود ما يخدم صورته.

هذا الطالب نفسه، سيخرج يومًا ما إلى مهنة، موقع مسؤولية، أو كرسي قرار، وهو يحمل هذا “المنهج الخفي” في داخله. عندها لن تكون الأزمة مجرد “خلل في بيئة جامعية”، بل خلل متسلسل في المجتمع كله.

سابعًا: ماذا يمكن فعله… دون تهور ودون استسلام؟

ليس الحل في الصراخ، ولا في تبرئة أنفسنا من كل مسؤولية، بل في خطوات واعية تحاول تقليل الضرر قدر المستطاع:

1.     وعي لا يتخدّر

o        أن يعرف الطالب وعضو هيئة التدريس أن ما يحدث ليس “طبيعيًّا”، حتى لو تكرر،

o        وأن يرفض – بداخله على الأقل – أن تكون الصورة بديلاً عن المحتوى.

2.     توثيق بدل الثرثرة

o        تسجيل القرارات المهمة، الاحتفاظ بالمستندات،

o        كتابة الوقائع عند وقوعها،

o        تكوين ذاكرة حقيقية لما يجري، بدل الاكتفاء بحكايات تتبخر مع الزمن.

3.     عمل جماعي بلا شخصنة

o        بناء دوائر نقاش مهنية بين الزملاء، بعيدًا عن الشخصيات والاصطفافات،

o        صياغة مطالب واضحة حول العدالة، نزاهة الامتحانات، وضوح الحقوق.

4.     استدعاء القانون عندما يكون الطريق مسدودًا

o        استخدام القنوات الرسمية المتاحة بهدوء وإصرار،

o        دعم أي جهد لمراجعة مستقلة أو تدقيق من جهة أوسع وأقرب للمعايير.

خاتمة: ما بين الصورة والحقيقة

في بعض البيئات الجامعية، يبدو أن الكاميرا تعمل بدوام كامل، بينما عقل المؤسسة يعمل بنصف طاقته.
يُطلب من الطالب أن “يظهر” أكثر مما يُطلب منه أن “يفهم،
ويُطلب من الأستاذ أن “يمرّر” اليوم بأقل ضجيج أكثر مما يُطلب منه أن “يُصلح” ما رآه معوجًّا.

لكن يبقى السؤال مفتوحًا:
ماذا سيكون مصير مؤسسة تُدار بهذه الروح بعد عشر سنوات؟
وماذا سيكون مصير مجتمع يعتمد على خريجيها؟

الصورة قد تخدع الناس بعض الوقت،
قد تخدع الرأي العام،
قد تخدع بعض المسؤولين في تقارير قصيرة العمر

لكنها لا تستطيع أن تخدع طالبًا يعرف جيدًا ماذا تعلّم،
ولا أن تخدع الواقع حين يطالب – بلا مجاملات – بحصيلة ما زُرع من قيم في قاعات الدرس، أو ما أهدر منها أمام عدسة كاميرا وبدلة جديدة لا تُخفي فراغًا طويل الأمد.

 ما ورد في هذا المقال عرضٌ تحليلي عام لثغرات محتملة وممارسات قد تُلاحظ في بعض البيئات ، بهدف تحسين الحوكمة والشفافية، دون نسبة واقعة بعينها لأي شخص أو جهة. وأي أمثلة أو سيناريوهات واردة هي أمثلة توضيحية لا تُثبت واقعة محددة. كما أن المقال لا يُعد استشارة قانونية.

#معادلات_خالد

#بدون_شفافية_لا_تعليم

#ردوا_للعلم_كرامته

#نريد_علمًا_لا_استعراضًا

 

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

جمع التبرعات غير الرسمية داخل المؤسسات: بين التطوع والابتزاز


 جمع التبرعات غير الرسمية داخل المؤسسات: بين التطوع والابتزاز

(هذا المقال يناقش أنماطًا عامة في بعض بيئات العمل ولا يشير إلى جهة أو شخص بعينه)

في بيئات العمل التي يُفترض أن تسودها النزاهة والشفافية، يطفو أحيانًا على السطح نمط من المسؤولين لا يرى في المنصب إلا سلطة ونفوذًا، ولا يرى في العاملين إلا مصدرًا جاهزًا لتحصيل المال. يختبئ هذا النمط وراء عبارات منمّقة مثل: التطوير، الصيانة، تحسين البيئة، دعم العملعناوين براقة، لكنها تُستخدم كغطاء لممارسات يمكن وصفها – من حيث الجوهر – بأنها استغلال فجّ وعبث متعمَّد بالمال والناس.

تبرعات… بابتزاز ناعم لا يُقال بصراحته

هذا المسؤول لا يقول: "ادفعوا" مباشرة، بل يقدّم الأمر في صورة مبادرة “تطوعية”، تُجمع فيها الأموال في الظل، بعيدًا عن السجلات الرسمية والرقابة المالية. ثم يُغلّف الفكرة بغلاف ديني أو أخلاقي:
إخفاء المتبرع “أعظم أجرًا،
وعدم إعلان الأسماء “أقرب للإخلاص،
حتى يصبح غياب الشفافية فضيلة، لا أداة للهروب من المحاسبة.

بهذا الأسلوب، يتحول الضغط المعنوي إلى نوع من الابتزاز الناعم:

  • من هو طيب النية يُدفع دفعًا ليشارك ظنًّا أنه يفعل خيرًا،
  • ومن يبحث عن رضا المسؤول ومصالحه يتبرع ليضمن مكانه في “القائمة المفضّلة”.

وفي النهاية، المال يتكدّس بلا ضوابط، والسلطة تتقوّى على حساب الضعفاء.

متبرع “محصَّن”… يدفع ليُعفى من الحساب

مع الوقت يتكوّن في المؤسسة "نادي المتبرعين المميَّزين":
تقصيرهم في العمل يُتجاهَل،
أخطاؤهم تُبرَّر،
غيابهم يُغضّ الطرف عنه،
لأنهم “لا يقصّرون في العطاء”.

هنا تتحول التبرعات عمليًّا إلى رخصة غير معلنة للإفلات من الرقابة، ويصبح المال وسيلة لشراء صورة الموظف “المثالي” ولو كان أداؤه في الواقع أقل بكثير مما يُروَّج له.

والمؤلم أن بعض هؤلاء يكونون أصلًا من أشد الناس احتياجًا للمال، أو من أحرصهم على كل جنيه، لكنهم يُدفَعون للمساهمة خوفًا من خسارة الامتيازات أو طمعًا في معاملة أفضل. وهكذا يُستغل ضعفهم مرتين: مرة في الجيب، ومرة في الكرامة.

 تطوير في الظل… وولاءات تُشترى بالعطايا

في هذه الأجواء، يتحرك المسؤول في الخفاء بعيدًا عن أعين الإدارة العليا:
ينفّذ “مشروعات” لا تمر عبر القنوات الرسمية،
يوزع الهبات على المقرّبين،
ويمنح المتبرعين مزايا وتسهيلات إضافية، فقط لضمان استمرار ضخ المال.

ومن المفارقات القاسية أن هذا النمط من المسؤولين قد يرفع شعار:
"
نريد أن نطوّر المكان، ندهِن الغرف، نبلّط الممرات، نحسّن البيئة التي نقضي فيها معظم أوقاتنا"،
فيتوسع في جمع المال لتحسين الجدران والأثاث والديكورات، بينما هو نفسه يتفنّن في تقليص المستحقات المالية للعاملين تحت سلطته، ويقتطع من حقوقهم ما يستطيع، ويتشدّد في كل ما يعود عليهم بالنفع المشروع، وكأن تطوير المكان أولى عنده من إنصاف البشر الذين يعملون فيه.
وهكذا تُصرف الجهود والأموال – الحقيقية والمتبرع بها – على الحجر، بينما يُهدر حق الإنسان في التقدير والعدل والرزق المستحق. ومثل هذه الممارسات لا تكون حالات فردية معزولة، بل تنتشر في بعض البيئات حتى تصبح أسلوبًا سائدًا في الإدارة والمعاملة.

تتحول التكريمات والجوائز إلى أداة انتقائية منحازة:
من يُكرَّم ليس الأكثر انضباطًا أو إنتاجًا، بل الأكثر قربًا من دائرة العطاء.
ويُدفَع المجتمع الوظيفي تدريجيًا إلى قناعة مغلوطة مفادها:
ادفع… تُكرَّم، وادفع… تُسامَح، وادفع… تُقدَّم.”

بهذا، تتحول المؤسسة من بيئة عمل إلى ساحة جباية مقنَّعة، ومن مكان يُفترض أن يكافئ الجهد إلى مكان يُكافئ فيه المال أولًا.

أخطر من الجباية… تحويل العامل إلى درع بشري

لا يتوقف الأمر عند جمع التبرعات؛ بل يتعداه إلى أساليب أكثر خطورة، حين يُطلَب من بعض العاملين أن يكونوا واجهة لتمرير ما لا يجرؤ المسؤول على تسجيله باسمه:

سنصرف مبلغًا لغرض مهم، لكن الإجراءات الرسمية معقدة.
سنسجّل الأموال باسمك أنت ثم تُعاد لاحقًا.
المهم أن ننهي الموضوع بسرعة.”

بهذه الصيغة “المخدِّرة”، يتحول الموظف إلى درع بشري قانوني؛
كل شيء يُسجل باسمه،
كل مخاطرة محاسبية تمر عبره،
يبقى هو في الواجهة، بينما صاحب القرار الحقيقي يختبئ خلفه.

وعندما تُفتح الملفات، يكون أول من يُسأل هو هذا الموظف “المطيع”، لا من خطط ودبّر وحرّك المشهد من الخلف.
وبعض المسؤولين من هذا النمط لا يتردد في تزيين هذه الأفعال بمبررات تبدو معقولة: "تسريع إنجاز"، "خدمة العمل"، "ظرف استثنائي"، بينما جوهر الفعل هو التلاعب بالأنظمة وتحميل الضعفاء تبعات قرارات لا يملكون حقيقتها ولا تفاصيلها.

المؤسسات المحترمة لا تتحول إلى صندوق جباية

في بيئات العمل السليمة، أي تبرعات – إن وُجدت – تخضع لثلاثة مبادئ لا يُساوم عليها:

  1. الشفافية: إعلان واضح لطبيعة التبرع والجهة التي تستقبله.
  2. التوثيق والرقابة: تسجيل رسمي خاضع للأنظمة والجهات الرقابية المختصة.
  3. الفصل بين الأداء والمال: لا تُصبح التبرعات معيارًا للتقييم أو بابًا للامتيازات.

المؤسسات الجادة ليست بديلًا عن مؤسسات الزكاة أو الجمعيات الخيرية،
وليست مكانًا لسد العجز من جيوب العاملين،
بل جهات لها ميزانيات رسمية وبنود صرف معلنة، وأي التفاف على هذه القواعد هو بداية لـ فساد إداري منظم مهما تجمّل بالشعارات.

خلاصة لا مجاملة فيها

حين يتحول المسؤول إلى:

  • جامع أموال لا حارس نظام،
  • وموزّع عطايا لا ضامن عدالة،
  • ومبتكر حيل للالتفاف على اللوائح لا ملتزم بها،

فإننا لا نتحدث عن تطوير، بل عن جباية مغلّفة بشعارات أخلاقية،
ولا نتحدث عن إدارة رشيدة، بل عن نمط من الفساد الإداري يستغل خوف الضعفاء وحسن نية الطيبين.

وجود هذا النمط داخل أي مؤسسة هو جرس إنذار حقيقي بأن:

  • العدالة لم تعد قيمة حاكمة،
  • والشفافية أصبحت استثناءً،
  • والمال العام بات رهينة لتصرفات أفراد، لا لضوابط نظام.

والحصيلة النهائية لا تقف عند حدود الأرقام؛
بل تمتد إلى ما هو أخطر:
انهيار الثقة، وانكسار كرامة العامل، وتآكل صورة المؤسسة في عيون من ينتمون إليها ومن يتعاملون معها.

 ما ورد في هذا المقال عرضٌ تحليلي عام لثغرات محتملة وممارسات قد تُلاحظ في بعض البيئات ، بهدف تحسين الحوكمة والشفافية، دون نسبة واقعة بعينها لأي شخص أو جهة. وأي أمثلة أو سيناريوهات واردة هي أمثلة توضيحية لا تُثبت واقعة محددة. كما أن المقال لا يُعد استشارة قانونية.

#معادلات_خالد

#بدون_شفافية_لا_تعليم

#ردوا_للعلم_كرامته

#نريد_علمًا_لا_استعراضًا


زيادة راتب الأستاذ الجامعي: مطلب عادل يبدأ من الشفافية وكسر حاجز الخوف ليست أزمة أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الحكومية أزمة مرتبات فقط، ر...