الخميس، 18 ديسمبر 2025

الفساد الممنهج في المؤسسات التعليمية: كيف يتحوّل الخطأ الفردي إلى نظام متجذّر؟ – الجزء الثاني - عوائد المقررات الإلكترونية: قراءة في القواعد الحاكمة للصرف ومواطن الانحراف عند غياب الشفافية

 


الفساد الممنهج في المؤسسات التعليمية: كيف يتحوّل الخطأ الفردي إلى نظام متجذّر؟ – الجزء الثاني - عوائد المقررات الإلكترونية: قراءة في القواعد الحاكمة للصرف ومواطن الانحراف عند غياب الشفافية

أُنشئت منظومة المقررات الإلكترونية لتطوير التعليم وتنظيم المحتوى، والأهم: إبعاد عضو هيئة التدريس عن أي تعامل مالي مباشر مع الطالب؛ صونًا للهيبة الأكاديمية وكرامة الطرفين. الطالب يدفع عبر المنصة، والمحتوى يُتاح رقميًا، ثم تُصرف العوائد وفق ضوابط معلنة… هكذا تبدو الفكرة في نسختها النظيفة.

لكن في الواقع—وفي بعض المؤسسات لا كلها—تدخل المنظومة أحيانًا إلى منطقة رمادية: العوائد لا تبقى “حقًا منضبطًا”، بل تتحول إلى حكاية إدارية تتبدل فصولها حسب الحاجة، وتُدار تحت عناوين مطاطة من نوع : التقدير الإداري، أو اعتبارات التنظيم، أو مقتضيات التشغيلوغالبًا لا تُفهم قواعدها كاملة إلا بعد انتهاء الصرف.

تمهيد

يركّز هذا الجزء على عوائد المقررات الإلكترونية داخل المؤسسات التعليمية، وعلى أبرز أوجه الانحراف التي قد تُفرغ الفكرة من معناها:

  • غياب الشفافية في معرفة حصيلة العوائد وكيفية توزيعها.
  • إخفاء العقود أو عدم تمكين أعضاء هيئة التدريس من الاطلاع عليها.
  • وضع قواعد أو ممارسات تُسهِّل إعادة توجيه العوائد لغير الغرض الذي أُنشئت من أجله، أو اقتطاعها من مستحقيها لصالح مراكز قوة إدارية.

أولاً: ما هي المقررات الإلكترونية؟

بحسب التعريفات التنظيمية المتداولة داخل منظومة الكتب/المقررات الجامعية الإلكترونية، فإن “المقرر” لا يعني بالضرورة كتابًا ورقيًا يحمل اسم مؤلف على الغلاف، بل يشمل أي عمل يدخل في نطاق: الابتكار، أو التأليف، أو الاقتباس، أو الترجمة، أو غير ذلك، طالما أنه يُستخدم في تدريس مقرر جامعي. وقد يأتي في صور متعددة:

  • كتاب كامل (منشور أو غير منشور)
  • فصل أو فصول من كتاب
  • نصوص لمحاضرات نظرية
  • تدريبات عملية
  • مجموعة دروس مُعدّة إلكترونيًا للاستخدام في العملية التعليمية
  • أو أي صورة أخرى يعتمد عليها تدريس المقرر داخل الجامعة

الخلاصة البسيطة: المعيار ليس شكل المحتوى ولا حجمه، بل كونه محتوى تعليميًا مُعدًّا ومستخدمًا فعليًا لتدريس مقرر في اللائحة. ومن ثمّ، فمن قام بالإعداد—فكرًا وجهدًا ووقتًا—هو الطرف الطبيعي في الاستحقاق، متى كانت القواعد تقر بذلك.

ملاحظة سياقية: وردت مخاطبات رسمية عام 2021 بشأن التحول إلى الكتاب/المقرر الإلكتروني اعتبارًا من العام الجامعي 2021–2022 وعدم تداول الكتب الورقية في ذات التخصص، وهو ما رسّخ الإطار العام لهذه المنظومة.

ثانيًا: العوائد… من أين تأتي وإلى أين “قد” تذهب؟

القصة تبدأ ببساطة: الطالب لا يشتري “ورقًا”، بل يدفع مقابل إتاحة المحتوى التعليمي عبر المنصة—محتوى أُعدّ لخدمة مقرر محدد في اللائحة. هذا هو مصدر العوائد: مبلغ يدخل عبر قناة رسمية، ويُفترض أن يخرج عبر قناة أكثر رسمية… وفق قواعد واضحة.

وعند نقطة التوزيع، يظهر المساران الطبيعيان لأي منظومة عادلة:

  • مُعدّو المقررات: أصحاب الجهد التعليمي الحقيقي (محتوى، شرح، أنشطة، تدريبات، بنوك أسئلة…).
  • الجهات الإدارية/الفنية: التي تشغّل المنصة وتدير التحصيل والدعم والمتابعة.

المعادلة المفترضة واضحة:
من أعد… يستحق.”
لكن حين يغيب الضوء تظهر قاعدة غير مكتوبة أشد تأثيرًا من أي منشور:
من لا يعرف التفاصيل… قد لا يطالب بها.”

ثالثًا: كيف يتسلّل الفساد بهدوء؟

(دون ضجيج… ودون ورق… وأحيانًا دون خجل)

في هذا الملف تحديدًا، الفساد لا يقتحم المشهد معلنًا عن نفسه؛ بل يزحف على أطراف النصوص كما يزحف الغبار على الملفات القديمة: يبدأ كـ إجراء روتينيلا يلفت الانتباه، ثم يتضخم تحت لافتة تفسير إداري، ثم يستقر مع الوقت كأنه عرفلا يُناقش. وبعدها تُغلق الدائرة بغطاء شكلي “يبدو قانونيًا”: تُحال مسألة توزيع العوائد إلى قرارات أقسام غير مختصة أصلًا بهذا التوزيع، فيتحول الحق المالي من قاعدة موحدة إلى “قرارات محلية” متعارضة—تؤدي وظيفة واحدة: تفتيت المسؤولية بحيث تصبح الجملة الجاهزة: ليس قرار الإدارة… بل قرار القسم. وهنا مكمن الخطر: تتبعثر المسؤولية إداريًا بما قد يفتح باب الاستفادة غير المنضبطة دون تحديد واضح للمساءلة.

وفيما يلي أبرز المسارات المتكررة:

1.  سياسة “التجهيل الوقائي

لا تبدأ الحكاية بسرقة صريحة، بل بتجفيف المعرفة—فالجهل هنا ليس صدفة، بل أداة.
لا ضوابط منشورة يمكن الرجوع إليها، لا شرح لآلية التوزيع، لا تدريب على الحقوق، ولا كشف حساب مفهوم. فتتحول الأسئلة البديهية إلى “قلة ذوق”:

  • كم إجمالي المتحصلات؟
  • ما بنود المصروفات؟
  • ما صافي العوائد بعد الخصومات؟
  • كيف يُحسب نصيب كل مقرر؟ وعلى أي أساس؟

والنتيجة محسوبة: من يسأل يُصنَّف “مُعقّد”… ومن يصمت يُكافأ بصفة “متعاون”.

2.  العقد… ذلك الكائن الخجول

العقد وثيقة حماية لا “زينة إدارية”. لكنه في بعض البيئات يُعامل كأنه ملف حساس: لا يُعرض، لا تُتاح نسخة، ويُكتفى بعبارة مهدئة:

إجراءاتنا سليمة… اتطمن.”

والسؤال الذي يفضح الفكرة: إذا كانت سليمة… لماذا تُدار بالهمس؟
حين تُخفى الوثيقة، تُخفى معها الالتزامات، وتصبح الحقوق قابلة لإعادة التفسير “عند اللزوم”.

3. اختلاق “آلية صرف” لاكتساب غطاء شكلي

بدلًا من الالتزام بقاعدة موحّدة لصرف عوائد المقررات وفق الضوابط المعتمدة، قد تُدفع بعض الجهات إلى إحالة مسألة الصرف إلى مجالس الأقسام لاقتراح “آلية توزيع”، وكأن الاستحقاق المالي موضوعٌ قابل للتجريب أو التفاوت من قسم لآخر. فتظهر صيغ متباينة ومتعارضة: قسم يقرر أن العائد لمُعدّ المقرر، وآخر يساوي بين من أعد مقررًا ومن أعد عدة مقررات، وثالث يقر خصم نسبة “لصالح التشغيل/الإدارة”،وقد يصل الأمر إلى أن يقرر مجلس قسم احتساب العائد عن “نصف مقرر” فقط أو تجزئته إلى ربع،  ثم تُغلق المناقشة بعبارة: “هذا قرار مجلس القسم”.

وهنا تتبدّى الإشكالية القانونية بوضوح: اختصاص مجلس القسم—في منظومة الكتاب/المقرر الإلكتروني—ينصرف إلى الشأن الأكاديمي والفني فقط (تحديد المقررات التي يتولى تدريسها، مراجعة المحتوى العلمي وتحديثه وفق توصيف المقرر، ومراجعة محتوى الكتاب الإلكتروني سنويًا عبر لجان للتأكد من مطابقته للمعايير المعتمدة)، ولا يمتد بطبيعته إلى إقرار قواعد مالية لتوزيع العوائد أو تعديل نسب الاستحقاق. ومع ذلك، يُستدعى المجلس أحيانًا ليُصدر قرارًا “يُضفي هالة” من الشرعية على خصومات أو تجزئة للعائد—كتخفيضه إلى النصف أو الربع—وهو ما قد يُعد تجاوزًا للاختصاص ووسيلة لإكساب قرارات مالية غطاءً شكليًا؛ بما يفرغ قواعد الاستحقاق من مضمونها، ويحوّل الحق المالي إلى نتيجة لتصويت محلي متغير، لا لضابط عام مُلزم.

4. الاستبعاد الموسمي والابتزاز الوظيفي: حين يصبح الحق “قابلًا للقص” والمقرر “قابلًا للمصادرة

في مسألة استبعاد المقررات من وعاء العوائد تظهر المشكلة في أكثر صورها وضوحًا: ما يبدأ على الورق كمراجعة منضبطة، ينتهي على الأرض كـ مزاج إداري متقلب. تسمع تبريرات تتبدل كالفصول: مرة لأن المقرر Online، ومرة لأنه تعلم ذاتي، ومرة “ليس كتابًا”، ومرة “المحتوى غير مطابق”، ومرة “دة سيمنار او تدريب ميداني”، ومرة—وهذه الأطرف—لأن المقرر “مجرد قطعة قراءة وعليها تمارين… فلا يُعد مقررًا”! ثم بعد جولة مساومة تُقدَّم لك “تسوية” باردة من نوع: “نحسبه بنص كتاب… أو بربع كتاب… ونبدأ من الدفعة الجاية”—وكأن الاستحقاق يمكن تقطيعه بالمسطرة للأسف هذا ما يحدث في بعض البيئات التعليمية.

وقد تُستكمل “الهندسة” بسيناريو يتكرر في بعض البيئات: مقرر عام يُدرَّس لعشرات البرامج ويقوم عليه خمسة أو أكثر من أعضاء هيئة التدريس، ومع ضعف الإفصاح تتحول العوائد إلى شيء يشبه “العملة السائبة” التي لا يعرف أحد مسارها بدقة. وفي هذا الجو قد تظهر—بحسب ما يتردد في بعض الشكاوى والتصورات—مساومات غير رسمية على نسب العائد، فإن لم تُعجبك “الترتيبات”، تُفاجأ بأن إسناد المقرر لديه مرونة عجيبة: اقبل النسبة… وإلا المقرر يذهب لغيرك. وتحت هذا المشهد—وكأننا نعيش طبعة مصغّرة من زمن عبد الناصر لكن على هيئة “حصص” لا خطط خمسية—لا يعود الاستحقاق حقًا يُصرف، بل “حصة” تُقسَّم وتُعاد صياغتها، مرة بابتسامة ومرة بقرار. هنا تنتهي المجاز تمامًا، لأن المسألة تصبح ضغطًا وظيفيًا مقنّعًا: من يوافق… يبقى، ومن يعترض… يُستبدل، ويصير معيار الاختيار عمليًا “الأسرع قبولًا” لا “الأفضل تدريسًا”.

ومعيار المشروعية هنا واضح: أي استبعاد لمقرر من وعاء عوائد المقررات الإلكترونية ينبغي أن يستند إلى قرار جامعي رسمي مكتوب ومُسبب يوضح أسباب الاستبعاد وأسانيده، ويبين إجراءات التظلم والمدة والجهة المختصة. أما الاستبعاد الذي يتم دون قرار رسمي مُسبب—أو عبر تعليمات شفوية أو تفاهمات غير موثقة—فهو إجراء مفتقر للسند ويُثير شبهة الانحراف في استعمال السلطة، وقد يؤدي عمليًا إلى إهدار استحقاقات أعضاء هيئة التدريس أو عدم وصول العوائد إلى مستحقيها على الوجه الصحيح.

والأخطر أن هذه الممارسات—استبعادًا وابتزازًا—ليست حادثًا عابرًا؛ بل تكررت منذ بدء العمل بمنظومة الكتب/المقررات الإلكترونية، بما يجعلها نمطًا مستقرًا تستدعي فحصًا وتدقيقًا، وقد تترتب عليها آثار عند ثبوتها وفق الإجراءات النظامية. ومن ثمّ فإن من تضرر منها يملك حقًا أصيلًا في المطالبة باستحقاقاته وفق القواعد المعلنة -  بأثر رجعي عن الفترات السابقة، عبر المسارات الرسمية، مع إلزام الجهة المختصة بـ معيار مكتوب يُقاس عليه، وقرار مُسبب يُناقش، ومسار تظلم واضح يُلجأ إليه. فحين تصبح الأسباب شفوية، يصبح الاستبعاد بلا سقفويغدو السقف الوحيد هو قدرة المتضرر على الصمت.

5. الترهيب العلمي: “محتواك قد يوديك التحقيق!”

بدل التوضيح والتدريب، يُستخدم الخوف: تُصوَّر المادة التعليمية وكأنها “مؤلف فريد” قد يتحول إلى قضية، وكأن كلية تضم آلاف المقررات مطالبة بإنتاج آلاف الكتب الورقية المعتمدة وإلا فلتفتح التحقيقات!
بدل شرح الفروق بين “محتوى تعليمي” و“كتاب منشور” وحدود الاقتباس… يُختصر كل شيء في رسالة واحدة: “إياك… الموضوع كبير.”
فتكون النتيجة متوقعة: تنازل “احتياطي” تحت عنوان “خليك في الأمان”، بينما الأمان هنا يعني غالبًا: التنازل عن حق واضح قبل أن يُطالب به.

6.  حيلة الأدب والقصص: “بتدرّسوا روايات… فين التأليف؟

يُقال لبعض التخصصات: “أنتم بتدرّسوا نصوصًا عالمية… إذن لا استحقاق.”
ويُشار إلى شكسبير أو جوته أو توماس مان أو هوغو أو فلوبير أو كامووكأن تدريس هذه الأعمال يعني أن الأستاذ وضع الرواية على المكتب وغادر!
والخلط هنا مقصود: الاستحقاق ليس ثمن امتلاك النص الأصلي، بل مقابل إعداد المحتوى التعليمي: شرح وتحليل، اختيار مقاطع، بناء أسئلة، تصميم أنشطة، تقويم، توجيه قراءات… أي تحويل الأدب من “قراءة” إلى “تعلم”.

7.  المساومة الناعمة: “هات جزء… علشان الألفة

يُقال: “علشان الألفة جوّه القسم… علشان محدش يبص لحد… هات جزء من مستحقاتك.”
في الظاهر دعوة للود، وفي الجوهر خلط بين الحق والصدقة. والأسوأ أنها قد تتحول لستار يسمح لبعض المسؤولين بتوسيع نصيبهم بعيدًا عن القواعد، دون كشف توزيع واضح أو معيار معلن.
ويُقدم الأمر كتبرع “اختياري”… اختياري لدرجة أن الرفض قد يُترجم إلى: “غير متعاون”.

 

من الاستثناء إلى النظام… وكشف الحساب هو الاختبار

تتحول المشكلة إلى فساد ممنهج حين تجتمع ثلاثة عناصر قاتلة: مالٌ متكرر يدخل كل فصل، وإجراءاتٌ معقدة لا يفهمها إلا من يمسك بالمفاتيح، وغيابُ شفافية يمنع السؤال ويعطّل الرقابة؛ عندها لا يصبح التحايل احتمالًا، بل نتيجة شبه حتمية تبدأ كاستثناء ثم تستقر كعرف ثم تُقدَّم كنظام يُطلب منك احترامه لا فهمه. والحل—إذا أرادت المؤسسة حماية نفسها قبل الأفراد—ليس منصات جديدة ولا شعارات أطول، بل خطوات بسيطة تُفسد أي انحراف: قواعد صرف ومعايير استحقاق مكتوبة ومعلنة، عقود أو ملخص قانوني ملزم متاح، تقرير دوري يوضح إجمالي التحصيل والمصروفات وصافي العوائد وطريقة التوزيع، منع الاستبعاد إلا بقرار مُسبب ومسار تظلم واضح، وفصل إسناد التدريس عن صرف العوائد حتى لا يصبح المال أداة ضغط. فالمقررات الإلكترونية مشروع إصلاحي في الأصل، لكن حين تُدار عوائدها خارج الضوء يتحول الإصلاح إلى باب للفوضى، ويصبح حق الأستاذ “مجاملة” والمعلومة “مِنّة” والسؤال تهمة… وفي النهاية يبقى السؤال الذي لا يموت: إذا كان كل شيء صحيحًا… فلماذا لا نراه؟


ما ورد في هذا المقال عرضٌ تحليلي عام لثغرات محتملة وممارسات قد تُلاحظ في بعض البيئات التعليمية، بهدف تحسين الحوكمة والشفافية، دون نسبة واقعة بعينها لأي شخص أو جهة. وأي أمثلة رقمية أو سيناريوهات واردة هي أمثلة توضيحية لا تُثبت واقعة محددة. كما أن المقال لا يُعد استشارة قانونية.

#معادلات_خالد

#بدون_شفافية_لا_تعليم

#ردوا_للعلم_كرامته

#نريد_علمًا_لا_استعراضًا


الأربعاء، 10 ديسمبر 2025

الامتحان الذي لا يرى الحقيقة: سلطوية تُجمِّل الصورة… وتُفسد التعلم


الامتحان الذي لا يرى الحقيقة: سلطوية تُجمِّل الصورة… وتُفسد التعلم

في مؤسسات التعليم اليوم، تعيش حكايتان متجاورتان لا تجرؤ إحداهما على النظر في عين الأخرى.

حكاية أولى تُكتب بعناية في اللوائح وتقارير الاعتماد والعروض الرسمية:
حديث متكرر عن الجودة، الحرية الأكاديمية، مخرجات التعلم، التحول الرقمي، والمنصات الذكية التي تضع الجامعة – نظريًا – في قلب القرن الحادي والعشرين.

وحكاية ثانية تُمارَس بصمت بين قاعات الامتحان وغرف الكنترول:
تعليمات أعلى من كل نقاش، نماذج موحَّدة تُفرَض بالقوة، خوف من مخالفة "النظام" حتى لو كان مليئًا بالثغرات، ورقابة تُركّز على الشكل أكثر مما تهتم بالجوهر.

هذا المقال يتتبع الحكاية الثانية؛ الحكاية التي لا تُكتب في الخطة الاستراتيجية، لكنها تتحكم عمليًا في مصير الطلاب والأساتذة والامتحانات.

أولًا: الامتحان بوصفه «لقطة» لا أداة تقويم

منذ اللحظة التي يُعلَن فيها:

"وردت تعليمات الامتحانات الجديدة"

يتعامل الجميع مع الأمر على أنه قرار نهائي نازل من أعلى لا يحتمل نقاشًا ولا مراجعة.

يُحدَّد كل شيء سلفًا:

  • عدد الأسئلة،
  • نوعها،
  • نسب الدرجات،
  • زمن الامتحان،
  • طريقة التصحيح والرصد،
  • وربما حتى شكل الورقة وترتيب الأسئلة.

يتحوّل عضو هيئة التدريس إلى منفِّذ دقيق لتعليمات جاهزة، بدل أن يكون صاحب رؤية تربوية يختار أداة التقويم الأنسب لطبيعة مقرره وطلابه.

وعندما يُسأل أصحاب القرار عن جدوى هذا النمط الواحد، يكون الجواب جاهزًا ومُنمّقًا:

"لضبط الجودة… ولتحقيق التحول الرقمي… وللتيسير على النظام."

لكن ما يُراد في الواقع ليس تقويمًا أصدق، بل صورة أكثر انضباطًا:

  • قاعة هادئة،
  • أوراق متشابهة،
  • أرقام مصفوفة في جداول لامعة،
  • تقارير بعبارات مطمئنة يمكن تقديمها في الاجتماعات والزيارات التفتيشية.

إنه امتحان يُصمَّم من أجل الصورة… لا من أجل الحقيقة.
مشهد يبدو مثاليًا على الورق، بينما يخفي تحت السطح فوضى في مستوى الفهم، وضعفًا في المهارات التي يُفترض أن يقيسها الامتحان.

ثانيًا: منصات بملايين… تُستخدم كنافذة لتحميل ملف وورد

المفارقة المؤلمة أن الجامعات لم تبخل على الورق في توفير أدوات حديثة:

  • منصات تعليمية رقمية على مستوى الجامعات كلها،
  • تطبيقات مخصَّصة لأعضاء هيئة التدريس لمتابعة الطلاب أكاديميًا طوال العام،
  • أنظمة لبناء بنوك أسئلة تُستخدم في الاختبارات القصيرة والواجبات والتقويم المستمر،
  • إمكانات تسمح بتدريب الطلاب بشكل منتظم على أنماط مختلفة من الأسئلة، ومتابعة تقدمهم لحظة بلحظة.

نظريًا، كان يمكن أن يتحول التقويم من امتحان واحد ثقيل إلى رحلة تعلم ممتدة، تتوزع فيها المسؤولية، ويتدرّب الطالب فيها على الفهم الحقيقي لا على "تكتيكات الامتحان".

لكن الإدارات ذات العقلية السلطوية اختارت طريقًا آخر:

  • تُغلق المنصات – فعليًا أو عمليًا – معظم شهور العام،
  • لا يُسمح باستخدامها إلا أيامًا قليلة لإدخال الامتحان في قالب Word Template،
  • أو لرصد درجات أعمال السنة في نهاية الفصل الدراسي،
  • بينما تُهمَّش الإمكانات الحقيقية للمنصات من تقويم مستمر، وتفاعل، وبناء بنوك أسئلة حيّة.

وهكذا تتحوّل أنظمة كلّفت ملايين إلى مجرد:

"بوابة لرفع ملف"
أو "نموذج إلكتروني لإدخال الدرجات".

تُحرَم الأقسام وأعضاء هيئة التدريس من أدوات تمكين حقيقية، فقط لكي تبقى السيطرة مركزية، ولكي يظل الامتحان الكبير هو لحظة القوة الوحيدة في يد الإدارة.

ثالثًا: حين يصمت الأكاديمي… ويتكلم المحضر

يختار كثير من أعضاء هيئة التدريس الصمت؛ أحيانًا تجنّبًا للمشكلات، وأحيانًا لأنهم تعِبوا من نقاشٍ لا يغيّر شيئًا.

  • تمرّ التعليمات في المجالس بسرعة،
  • تُقرأ البنود كما هي،
  • ثم تُختَصر كل الاعتراضات المؤجلة في عبارة واحدة في المحضر:

"تمت الموافقة بالإجماع."

ذلك "الإجماع" ليس دليل رضا حقيقي، بل إشارة إلى أن النقاش نفسه أصبح خارج اللعبة.
الصمت هنا ليس حيادًا؛ بل موافقة مؤجلة تمنح متخذ القرار رسالة واضحة:

"استمر… لن يعترض أحد بشكل مؤسسي."

رابعًا: التربوي الذي يصفّق لنقيض ما يدرّسه

من أكثر المشاهد إيلامًا في هذه المنظومة، صورة التربوي المصفِّق.

  • في القاعة:
    يشرح لطلابه بحماس مبادئ القياس والتقويم،
    يؤكد ضرورة تنوّع أدوات التقييم،
    يفرّق بين الأسئلة التي تقيس التذكر وتلك التي تقيس الفهم والتطبيق والتحليل،
    ويتحدث عن ربط الأسئلة بمخرجات التعلم الحقيقية.
  • في المجلس أو اللجنة:
    يرفع يده مؤيدًا لنموذج امتحان موحّد،
    مبني بالكامل على ما تسمح به الماسحة الإلكترونية من أسئلة اختيار من متعدد،
    بحجة أن "النظام مبرمج بهذا الشكل" وأن "الإدارة تريد هذا النمط".

هنا لا يسهم التربوي في المشكلة بصمته فقط، بل بمنح غطاء علمي لقرارات تناقض علم القياس والتقويم نفسه.

وحين يرى الطالب هذا التناقض بين ما يسمعه في المحاضرة وما يراه في التطبيق، يتعلم – من حيث لا نريد – درسًا خطيرًا:

أن الخطاب التربوي شيء
والممارسة الواقعية شيء آخر تمامًا.

خامسًا: مجالس تُنتج إنجازات على الورق… لا في الواقع

المجالس العلمية – في النظرية – وُجدت كي:

  • تسائل القرارات،
  • تناقش الخيارات التربوية،
  • تفرمل ما قد يضر بمصداقية العملية التعليمية.

لكن في الواقع، تتحوّل كثير من هذه المجالس إلى مسارح لاستعراض إنجازات جوفاء:

  • تقارير تؤكد أن "نسبة الإنجاز 100%"،
  • عروض تقديمية تزهو بـ"التحول الرقمي" و"الامتحانات الإلكترونية"،
  • أرقام ورسوم بيانية لا يجد الأستاذ أو الطالب ما يطابقها في يومياته داخل القاعة.

أي نقد حقيقي يُستقبل باعتباره تهديدًا أو تعطيلًا، وأي محاولة لتسمية المشكلات باسمها تُتَّهَم بأنها "إثارة لمشكلات" لا داعي لها.
وهكذا تنتصر الصورة مرة أخرى على الحقيقة، ويُغلق الباب أمام أي إصلاح جاد.

سادسًا: من يدفع الثمن في النهاية؟

الثمن الأكبر لا يدفعه متخذ القرار، ولا التربوي المصفّق، ولا الأكاديمي الصامت.
الثمن الحقيقي يدفعه طرفان أساسيان:

 الطالب
الذي يتعلم – بالتجربة – أن:

  • الامتحان لعبة تقنيات لا اختبار معرفة،
  • النجاح يعني إتقان نمط معيّن من الأسئلة، لا فهم المادة ولا امتلاك مهاراتها،
  • ما يُقال عن التفكير الناقد وحل المشكلات لا يجد له مكانًا في ورقة الامتحان.

 الأستاذ الجاد
الذي يُطالَب بمخرجات تعلم عالية، بينما:

  • يُجرَّد من أدوات التقويم الحقيقي المستمر،
  • يُلزَم بنمط امتحاني سطحي لا يكشف الفهم العميق،
  • ثم يُحاسَب وحده على ضعف مستوى الطلاب، وكأن المشكلة شخصية لا بنيوية.

سابعًا: مسؤولية مشتركة… وشجاعة مفقودة

المقال لا يبحث عن "متهم واحد"، بل عن قدر من الشجاعة المهنية يقرّ بالحقيقة:

  • متخذ القرار مسؤول لأنه اختزل الامتحان في قالب تقني ضيق يخدم السيطرة أكثر مما يخدم التعلم.
  • الأكاديمي الصامت مسؤول لأنه ترك الساحة خالية لتمرير ما لا يقتنع به، وسمح أن تتحول الموافقة الشكلية إلى قاعدة.
  • التربوي المصفّق مسؤول لأنه غلّب إرضاء الإدارة على مبادئ علمه.
  • المجالس العلمية مسؤولة لأنها قبلت أن تكون واجهة شكلية بدل أن تكون مساحة حقيقية للنقاش والمساءلة.

خاتمة: صورة جميلة… أم تعليم حقيقي؟

السؤال في النهاية ليس تقنيًا، بل أخلاقي ومهني:

هل نقبل أن نظل شهودًا على تعليم يملك أدوات الحداثة،
لكنه يُدار بعقلية قديمة تُقدِّم الصورة على الحقيقة؟

أم نملك الشجاعة لنقول بصوت واضح:

  • إن الامتحان الذي لا يرى الحقيقة،
  • والذي يُصمَّم ليُرضي النظام أكثر مما يخدم الطالب،

هو امتحان لا يليق بطلابنا… ولا بنا،
وأن المسار، مهما بدا منظمًا في التقارير، يحتاج إلى مراجعة جادة وشجاعة تغيير؟


ما ورد في هذا المقال عرضٌ تحليلي عام لثغرات محتملة وممارسات قد تُلاحظ في بعض البيئات التعليمية، بهدف تحسين الحوكمة والشفافية، دون نسبة واقعة بعينها لأي شخص أو جهة. وأي أمثلة رقمية أو سيناريوهات واردة هي أمثلة توضيحية لا تُثبت واقعة محددة. كما أن المقال لا يُعد استشارة قانونية.

#معادلات_خالد

#بدون_شفافية_لا_تعليم

#ردوا_للعلم_كرامته

#نريد_علمًا_لا_استعراضًا



زيادة راتب الأستاذ الجامعي: مطلب عادل يبدأ من الشفافية وكسر حاجز الخوف ليست أزمة أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الحكومية أزمة مرتبات فقط، ر...