الأربعاء، 10 ديسمبر 2025

الامتحان الذي لا يرى الحقيقة: سلطوية تُجمِّل الصورة… وتُفسد التعلم


الامتحان الذي لا يرى الحقيقة: سلطوية تُجمِّل الصورة… وتُفسد التعلم

في مؤسسات التعليم اليوم، تعيش حكايتان متجاورتان لا تجرؤ إحداهما على النظر في عين الأخرى.

حكاية أولى تُكتب بعناية في اللوائح وتقارير الاعتماد والعروض الرسمية:
حديث متكرر عن الجودة، الحرية الأكاديمية، مخرجات التعلم، التحول الرقمي، والمنصات الذكية التي تضع الجامعة – نظريًا – في قلب القرن الحادي والعشرين.

وحكاية ثانية تُمارَس بصمت بين قاعات الامتحان وغرف الكنترول:
تعليمات أعلى من كل نقاش، نماذج موحَّدة تُفرَض بالقوة، خوف من مخالفة "النظام" حتى لو كان مليئًا بالثغرات، ورقابة تُركّز على الشكل أكثر مما تهتم بالجوهر.

هذا المقال يتتبع الحكاية الثانية؛ الحكاية التي لا تُكتب في الخطة الاستراتيجية، لكنها تتحكم عمليًا في مصير الطلاب والأساتذة والامتحانات.

أولًا: الامتحان بوصفه «لقطة» لا أداة تقويم

منذ اللحظة التي يُعلَن فيها:

"وردت تعليمات الامتحانات الجديدة"

يتعامل الجميع مع الأمر على أنه قرار نهائي نازل من أعلى لا يحتمل نقاشًا ولا مراجعة.

يُحدَّد كل شيء سلفًا:

  • عدد الأسئلة،
  • نوعها،
  • نسب الدرجات،
  • زمن الامتحان،
  • طريقة التصحيح والرصد،
  • وربما حتى شكل الورقة وترتيب الأسئلة.

يتحوّل عضو هيئة التدريس إلى منفِّذ دقيق لتعليمات جاهزة، بدل أن يكون صاحب رؤية تربوية يختار أداة التقويم الأنسب لطبيعة مقرره وطلابه.

وعندما يُسأل أصحاب القرار عن جدوى هذا النمط الواحد، يكون الجواب جاهزًا ومُنمّقًا:

"لضبط الجودة… ولتحقيق التحول الرقمي… وللتيسير على النظام."

لكن ما يُراد في الواقع ليس تقويمًا أصدق، بل صورة أكثر انضباطًا:

  • قاعة هادئة،
  • أوراق متشابهة،
  • أرقام مصفوفة في جداول لامعة،
  • تقارير بعبارات مطمئنة يمكن تقديمها في الاجتماعات والزيارات التفتيشية.

إنه امتحان يُصمَّم من أجل الصورة… لا من أجل الحقيقة.
مشهد يبدو مثاليًا على الورق، بينما يخفي تحت السطح فوضى في مستوى الفهم، وضعفًا في المهارات التي يُفترض أن يقيسها الامتحان.

ثانيًا: منصات بملايين… تُستخدم كنافذة لتحميل ملف وورد

المفارقة المؤلمة أن الجامعات لم تبخل على الورق في توفير أدوات حديثة:

  • منصات تعليمية رقمية على مستوى الجامعات كلها،
  • تطبيقات مخصَّصة لأعضاء هيئة التدريس لمتابعة الطلاب أكاديميًا طوال العام،
  • أنظمة لبناء بنوك أسئلة تُستخدم في الاختبارات القصيرة والواجبات والتقويم المستمر،
  • إمكانات تسمح بتدريب الطلاب بشكل منتظم على أنماط مختلفة من الأسئلة، ومتابعة تقدمهم لحظة بلحظة.

نظريًا، كان يمكن أن يتحول التقويم من امتحان واحد ثقيل إلى رحلة تعلم ممتدة، تتوزع فيها المسؤولية، ويتدرّب الطالب فيها على الفهم الحقيقي لا على "تكتيكات الامتحان".

لكن الإدارات ذات العقلية السلطوية اختارت طريقًا آخر:

  • تُغلق المنصات – فعليًا أو عمليًا – معظم شهور العام،
  • لا يُسمح باستخدامها إلا أيامًا قليلة لإدخال الامتحان في قالب Word Template،
  • أو لرصد درجات أعمال السنة في نهاية الفصل الدراسي،
  • بينما تُهمَّش الإمكانات الحقيقية للمنصات من تقويم مستمر، وتفاعل، وبناء بنوك أسئلة حيّة.

وهكذا تتحوّل أنظمة كلّفت ملايين إلى مجرد:

"بوابة لرفع ملف"
أو "نموذج إلكتروني لإدخال الدرجات".

تُحرَم الأقسام وأعضاء هيئة التدريس من أدوات تمكين حقيقية، فقط لكي تبقى السيطرة مركزية، ولكي يظل الامتحان الكبير هو لحظة القوة الوحيدة في يد الإدارة.

ثالثًا: حين يصمت الأكاديمي… ويتكلم المحضر

يختار كثير من أعضاء هيئة التدريس الصمت؛ أحيانًا تجنّبًا للمشكلات، وأحيانًا لأنهم تعِبوا من نقاشٍ لا يغيّر شيئًا.

  • تمرّ التعليمات في المجالس بسرعة،
  • تُقرأ البنود كما هي،
  • ثم تُختَصر كل الاعتراضات المؤجلة في عبارة واحدة في المحضر:

"تمت الموافقة بالإجماع."

ذلك "الإجماع" ليس دليل رضا حقيقي، بل إشارة إلى أن النقاش نفسه أصبح خارج اللعبة.
الصمت هنا ليس حيادًا؛ بل موافقة مؤجلة تمنح متخذ القرار رسالة واضحة:

"استمر… لن يعترض أحد بشكل مؤسسي."

رابعًا: التربوي الذي يصفّق لنقيض ما يدرّسه

من أكثر المشاهد إيلامًا في هذه المنظومة، صورة التربوي المصفِّق.

  • في القاعة:
    يشرح لطلابه بحماس مبادئ القياس والتقويم،
    يؤكد ضرورة تنوّع أدوات التقييم،
    يفرّق بين الأسئلة التي تقيس التذكر وتلك التي تقيس الفهم والتطبيق والتحليل،
    ويتحدث عن ربط الأسئلة بمخرجات التعلم الحقيقية.
  • في المجلس أو اللجنة:
    يرفع يده مؤيدًا لنموذج امتحان موحّد،
    مبني بالكامل على ما تسمح به الماسحة الإلكترونية من أسئلة اختيار من متعدد،
    بحجة أن "النظام مبرمج بهذا الشكل" وأن "الإدارة تريد هذا النمط".

هنا لا يسهم التربوي في المشكلة بصمته فقط، بل بمنح غطاء علمي لقرارات تناقض علم القياس والتقويم نفسه.

وحين يرى الطالب هذا التناقض بين ما يسمعه في المحاضرة وما يراه في التطبيق، يتعلم – من حيث لا نريد – درسًا خطيرًا:

أن الخطاب التربوي شيء
والممارسة الواقعية شيء آخر تمامًا.

خامسًا: مجالس تُنتج إنجازات على الورق… لا في الواقع

المجالس العلمية – في النظرية – وُجدت كي:

  • تسائل القرارات،
  • تناقش الخيارات التربوية،
  • تفرمل ما قد يضر بمصداقية العملية التعليمية.

لكن في الواقع، تتحوّل كثير من هذه المجالس إلى مسارح لاستعراض إنجازات جوفاء:

  • تقارير تؤكد أن "نسبة الإنجاز 100%"،
  • عروض تقديمية تزهو بـ"التحول الرقمي" و"الامتحانات الإلكترونية"،
  • أرقام ورسوم بيانية لا يجد الأستاذ أو الطالب ما يطابقها في يومياته داخل القاعة.

أي نقد حقيقي يُستقبل باعتباره تهديدًا أو تعطيلًا، وأي محاولة لتسمية المشكلات باسمها تُتَّهَم بأنها "إثارة لمشكلات" لا داعي لها.
وهكذا تنتصر الصورة مرة أخرى على الحقيقة، ويُغلق الباب أمام أي إصلاح جاد.

سادسًا: من يدفع الثمن في النهاية؟

الثمن الأكبر لا يدفعه متخذ القرار، ولا التربوي المصفّق، ولا الأكاديمي الصامت.
الثمن الحقيقي يدفعه طرفان أساسيان:

 الطالب
الذي يتعلم – بالتجربة – أن:

  • الامتحان لعبة تقنيات لا اختبار معرفة،
  • النجاح يعني إتقان نمط معيّن من الأسئلة، لا فهم المادة ولا امتلاك مهاراتها،
  • ما يُقال عن التفكير الناقد وحل المشكلات لا يجد له مكانًا في ورقة الامتحان.

 الأستاذ الجاد
الذي يُطالَب بمخرجات تعلم عالية، بينما:

  • يُجرَّد من أدوات التقويم الحقيقي المستمر،
  • يُلزَم بنمط امتحاني سطحي لا يكشف الفهم العميق،
  • ثم يُحاسَب وحده على ضعف مستوى الطلاب، وكأن المشكلة شخصية لا بنيوية.

سابعًا: مسؤولية مشتركة… وشجاعة مفقودة

المقال لا يبحث عن "متهم واحد"، بل عن قدر من الشجاعة المهنية يقرّ بالحقيقة:

  • متخذ القرار مسؤول لأنه اختزل الامتحان في قالب تقني ضيق يخدم السيطرة أكثر مما يخدم التعلم.
  • الأكاديمي الصامت مسؤول لأنه ترك الساحة خالية لتمرير ما لا يقتنع به، وسمح أن تتحول الموافقة الشكلية إلى قاعدة.
  • التربوي المصفّق مسؤول لأنه غلّب إرضاء الإدارة على مبادئ علمه.
  • المجالس العلمية مسؤولة لأنها قبلت أن تكون واجهة شكلية بدل أن تكون مساحة حقيقية للنقاش والمساءلة.

خاتمة: صورة جميلة… أم تعليم حقيقي؟

السؤال في النهاية ليس تقنيًا، بل أخلاقي ومهني:

هل نقبل أن نظل شهودًا على تعليم يملك أدوات الحداثة،
لكنه يُدار بعقلية قديمة تُقدِّم الصورة على الحقيقة؟

أم نملك الشجاعة لنقول بصوت واضح:

  • إن الامتحان الذي لا يرى الحقيقة،
  • والذي يُصمَّم ليُرضي النظام أكثر مما يخدم الطالب،

هو امتحان لا يليق بطلابنا… ولا بنا،
وأن المسار، مهما بدا منظمًا في التقارير، يحتاج إلى مراجعة جادة وشجاعة تغيير؟


ما ورد في هذا المقال عرضٌ تحليلي عام لثغرات محتملة وممارسات قد تُلاحظ في بعض البيئات التعليمية، بهدف تحسين الحوكمة والشفافية، دون نسبة واقعة بعينها لأي شخص أو جهة. وأي أمثلة رقمية أو سيناريوهات واردة هي أمثلة توضيحية لا تُثبت واقعة محددة. كما أن المقال لا يُعد استشارة قانونية.

#معادلات_خالد

#بدون_شفافية_لا_تعليم

#ردوا_للعلم_كرامته

#نريد_علمًا_لا_استعراضًا



هناك 6 تعليقات:

  1. اصبت جوهر الحقيقة.

    ردحذف
  2. اتفق مع هذه الرؤية

    ردحذف
  3. اتفق مع سيادتكم يا بروف نريد علما لا استعراضا

    ردحذف
  4. ماشاء الله برافو يا د خالد دراسه تحليه هايله لفكر واعى جرئ

    ردحذف
  5. we can say about that in simple words ,what the cost of lies?

    ردحذف
  6. تمثيلية رخيصة تهوي بالعقل والوجدان، وكومبارس صامت يرى الفن أكل عيش

    ردحذف

زيادة راتب الأستاذ الجامعي: مطلب عادل يبدأ من الشفافية وكسر حاجز الخوف ليست أزمة أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الحكومية أزمة مرتبات فقط، ر...