السراج حين خفت نوره
توثيقٌ أدبيّ لمرحلةٍ مضطربة في مؤسسةٍ تعليمية
لم تكن دار السِّراج مجرّد مؤسسة تعليمية، بل وعدًا. وعدًا
يتداوله الآباء حين يتحدثون عن مكانٍ “يصنع الإنسان” قبل أن يمنحه شهادة. لسنواتٍ
طويلة، كان هذا الوعد قائمًا لا لأن اللافتات براقة، بل لأن القاعات كانت حيّة:
أستاذ يشرح ليُفهِم، طالب يسأل ليعرف، ونقاشٌ يصنع عقلًا لا يحفظ صفحة.
ثم جاءت سنواتٌ تغيّر فيها كل شيء… دون أن يتغيّر
المبنى.
بدأ الأمر بما يمكن أن يُسمّى—على الورق—ترتيباتٍ
تنظيمية. قيل إن الفصل الصيفي سيُعاد ضبطه، وإنه فرصةٌ مرنة لمن تعثّر أو تأخر.
وفي نظام الساعات المعتمدة، لا يُفترض أن يكون الصيف أقل شأنًا من فصل الخريف أو
الربيع؛ بل فصلٌ كاملٌ في القيمة والمسؤولية، له متطلبات التدريس ذاتها، ومعايير
الانضباط ذاتها، وحق الطالب في التعلّم قبل التقييم. استقبل الناس الخبر بأملٍ
طبيعي: أن يكون الصيف مساحة تعلّم إضافية، لا مجرّد محطة إسعاف سريعة.
لكن الذي بدأ يتشكّل في ذاكرة الدار—في هذه
الحكاية—كان مختلفًا. شعورٌ متزايد بأن الامتحانات تتسع، بينما التدريس يتقلّص، أو
يُقدَّم بصورةٍ لا تكفي لتبرير امتحانٍ يُفترض أن يقيس ما تم تعلّمه. ومع هذا
التقلّص، ظهرت تساؤلاتٌ أشد حساسية—تُقال هنا بصيغة الاحتمال لا الجزم—حول ما إذا
كان تفريغ الفصل من التدريس قد فتح بابًا لاستغلالٍ إداريّ: تخفيض أعباء التدريس
على الورق، والتعامل مع مستحقات أعضاء هيئة التدريس بقدرٍ أقل مما يليق بطبيعة
فصلٍ كامل، أو تمرير ترتيبات مالية غير منصفة تحت غطاء “إجراءات” لا تُراجع بدقة.
وهنا لا تُلقى التهم على أشخاص، بل يُشار إلى مأزقٍ معروف: حين تُسند المسؤولية
إلى من لا يفقه طبيعة النظام، والأسوأ أن يظنّ أنه يُحسن وهو لا يدرك حدود جهله،
تتولد قراراتٌ تبدو منظمة في ظاهرها، لكنها تُفرغ الفصل من معناه وتؤذي التعليم
والحقوق معًا.
ومع الوقت تغيّرت لغة القاعات. تراجع السؤال
الطبيعي: “هل فهمنا؟” وصعد سؤالٌ آخر أشد فقرًا: “هل سنجتاز؟”. وهذا التحول لا
يبدو كبيرًا لأول وهلة، لكنه خطير؛ لأنه يبدّل معنى المؤسسة التعليمية من بيت معرفة إلى مصنع
درجات. حينها لا يعود الطالب شريكًا في العلم، بل متلقّيًا لنتيجة، ولا يعود
الأستاذ قائدًا لعملية التعلّم، بل شاهدًا على إجراءات تمضي من دونه.
وفي وسط هذا الارتباك، ظهر تحوّلٌ زاد المشهد
ضبابًا: صار التعليم “عن بُعد” حاضرًا على نطاقٍ واسع. الفكرة في أصلها ليست موضع
اعتراض؛ فالتعلّم الإلكتروني قد يكون خيارًا جيدًا حين تُضبط معاييره وتُحفظ حقوق
أطرافه. لكن ما أثار الأسئلة داخل دار السِّراج—في روايتنا—أن التحوّل بدا أحيانًا
وكأنه يجري بصورةٍ لا تطمئن من حيث الضوابط: متى يُعتمد؟ وكيف يُوثّق؟ وما الذي
يضمن تكافؤ الفرص؟ وما الحد الأدنى للتفاعل والتقييم؟ هذه ليست أسئلة تقنية، بل
أسئلة عدالة، والعدالة هي روح أي مؤسسة تعليمية.
ومع التوسع في هذا النوع من التعليم، ظهرت
مقرراتٌ تُقدَّم تحت مسميات مثل “تعليم ذاتي” و“أونلاين” بصورةٍ أثارت علامات
استفهام إضافية. لم يكن الاعتراض على المسمّى بحد ذاته، بل على ما قيل إنه الهدف
غير المعلن—وفق ما كان يتناقله الناس داخل الدار—وهو أن تُستخدم هذه الصيغ كوسيلة
لتقليل الالتزامات التدريسية وما يترتب عليها من مستحقات، بما قد يفضي إلى هضم
حقوق أعضاء هيئة التدريس أو تقليصها دون سندٍ واضح. وزاد من حدّة هذا الانطباع—في
الحكاية—أن هذه المسميات نفسها بدت وكأنها تتراجع أو تختفي سريعًا بعد زيارة لجنة
خارجية، وأنها حُذفت من نسخٍ من اللوائح كان يدور حولها جدلٌ واسع؛ لوائح قيل إنها
عُدّلت على عجل أو دُوّنت بصيغٍ لا تطمئن، حتى وصفها البعض بأنها “لوائح محل
اشتباه” أكثر من كونها قواعد مُستقرة. لا يُقدَّم هذا بوصفه دليلًا قاطعًا، لكنه
يصف منطقًا مألوفًا: ما يظهر بقوة قبل الرقابة قد يبهت بعدها إذا كان وجوده هشًّا
أو غير قابل للدفاع عنه.
ومع امتداد الارتباك، بدأت تظهر—بحسب ما كان
يُتداول همسًا—مؤشرات على مناخٍ ضاغط داخل الدار يمسّ حقوق أعضاء هيئة التدريس:
تكليفات غير مستقرة، قرارات تأتي ثم تتبدل، صيغٌ تُفهم كتهديدٍ مبطّن، وطرق إدارة
تجعل الأستاذ يوازن بين قول الحقيقة وبين ثمنها. ومع هذه الضغوط، شاعت ثقافة خوفٍ
لا تحتاج إلى قرار مكتوب كي تعمل: يكفي أن يشعر الناس بأن الاعتراض يُكلّف، وأن
السؤال قد يُسجَّل على صاحبه لا لصالح المؤسسة.
وفي مثل هذه الأجواء، تنتشر الإشاعات كما تنتشر
النار في مكانٍ جاف. ليست الإشاعة حبًا في الإشاعة، بل لأنها تُولد حين تغيب
المعلومة. وحين يغيب البيان الواضح، يتحول الهمس إلى مصدر “معرفة بديلة”، ويتحول
القلق إلى سلوك يومي، ويصبح الجو العام ملوّثًا: ثقةٌ تتراجع، وتعاونٌ يضعف،
وحساسيةٌ مفرطة تجعل كل قرارٍ يبدو كأنه رسالة ضغط.
وفي الحكاية، برزت شخصية إدارية نافذة تعرف بلقبٍ متداول ظلّ الإدارة.لن نذكر
اسمًا ولن نحدّد هوية، لأن الهدف ليس توجيه اتهام لشخص، بل تصوير نمط إدارة قد
يظهر في أي مؤسسة إذا ضعفت الرقابة: لغةٌ منمقة عن الجودة والحوكمة، مقابل واقعٍ
يتعثر في أبسط ما يثبت الجودة فعلًا—التدريس، وضوح اللوائح، عدالة التقييم،
واحترام الحقوق.
ثم جاءت لحظةٌ مفصلية في ذاكرة الدار: زيارةٌ
مفاجئة من جهة تقييمية (هكذا قيل). الزيارات المفاجئة في أصلها اختبارٌ لصدق
المؤسسة: أن يرى الزائر الحياة كما هي. لكن ما جعل تلك الزيارة تُحفر في
الذاكرة—في هذه الرواية—هو الإحساس بأن الاستعداد لها لم يكن طبيعيًا. في ساعاتٍ
قليلة تحولت الدار إلى ورشة ترتيب سريع: أوراق تُرتَّب، جداول تُكتب من جديد بصورة
أنيقة، عبارات تُعلّق، وممرات تُهذَّب. لا أحد يعترض على النظام، لكن السؤال الذي
وُلد في القلوب كان بسيطًا ومؤلمًا: هل نُعدّ الحقيقة… أم نُعدّ صورتها؟
وهنا نصل إلى أخطر نقطة في أي مؤسسة تعليمية: الرواية
الجاهزة.
قيل في أحاديث متفرقة إن بعض من طُلب حضورهم
كانوا مختارين بعناية: ليس بالضرورة لأنهم الأكثر اطلاعًا، بل لأنهم “الأكثر
أمانًا” في نظر الإدارة. لم تُستخدم كلمات صريحة، بل عباراتٌ عامة من النوع الذي
لا يترك أثرًا مكتوبًا: “سمعة الدار أولًا”، “لا نريد تضخيم الأمور”، “مرحلة
وتنتهي”. وبين الخوف والحرص، قد يصبح الإنسان جزءًا من مشهدٍ لا يريده، لكنه لا
يملك شجاعة كسره.
المشكلة ليست في اختلاف الشهادات، بل في تشابهها
المفرط. فحين تتطابق الروايات بصورةٍ واحدة تقريبًا، ينشأ التساؤل تلقائيًا: هل
هذا وصفٌ طبيعي لواقعٍ واضح، أم نتيجةُ تنسيقٍ غير معلن؟ وفي الحكاية، خرجت
الزيارة كما تخرج كثيرٌ من الزيارات: دون صدامٍ ظاهر، وبخلاصة “مطمئنة”. ثم ظهرت
العبارة التي تُغلق الأوراق ولا تُغلق الذاكرة: “تم
الاجتياز”.
لكن التعليم ليس ورقةً تُختم. التعليم أثرٌ يُرى
في الطالب، وطمأنينةٌ تُرى في الأستاذ، ونزاهةٌ تُرى في طريقة اتخاذ القرار. إن
كانت الأمور بخير حقًا فشواهدها لا تختبئ: محتوى مُقدَّم بوضوح، ساعات تدريس
موثقة، تفاعل يُقاس، تقييم عادل، ومسارات لائحية مستقرة يفهمها الجميع. وإن كانت
هناك ثغرات، فالمؤسسة القوية لا تخاف من السؤال، بل تستقبله كفرصة تصحيح.
في سنوات دار السِّراج—في هذه الحكاية—لم يكن
الألم الأكبر في امتحانٍ دون درسٍ كافٍ، ولا في “أونلاين” جاء قبل أن تُضبط
قواعده، ولا في لوائح تتبدل دون شرحٍ مطمئن… بل في شيءٍ أعمق: تهشيم الضمير
الأكاديمي. حين يتعلم الطالب أن الحقيقة تُدار لا تُقال، وحين يشعر الأستاذ أن
الصمت أكثر أمنًا من النزاهة، وحين تصبح الحقوق—بما فيها الحقوق المالية—موضوع
تساؤلاتٍ لا جواب لها، تتعب المؤسسة حتى لو بدا شكلها متماسكًا.
لهذا يُكتب هذا النص بوصفه توثيقًا أدبيًا
متخيّلًا هدفه التحذير لا التشهير: أن المؤسسات التعليمية لا تُحمى بتلميع الصورة،
بل بآليات شفافة تُجيب عن الأسئلة، وبقواعد ثابتة تُطبّق على الجميع، وبضمانات
تحفظ كرامة أعضاء هيئة التدريس وحقوق الطلاب معًا. وأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي
كلية ليس النقد، بل تحويل النقد إلى “ممنوع”، وتحويل السؤال إلى “خطر”، وتحويل
التحقيق إلى “إجراء ينتهي قبل أن يبدأ”.
إذا كانت دار السِّراج قد عرفت زمنًا خفت فيه
الضوء، فالسراج لا يعود بطلاء الجدران، ولا بجمال اللافتة، بل بعودة النور الحقيقي
إلى القاعات: درسٌ قبل ختم، شفافيةٌ قبل شعار، وعدالةٌ قبل مجاملة.
في المراحل المضطربة، لا تكون الكارثة في خطأٍ
إداريّ وحده، بل في تحويل الحقيقة إلى “رواية مريحة”. وحين تُتداول لوائحٌ محلّ
شبهة تزوير أو تُستخدم نسخٌ غير واضحة الاعتماد ثم تُمحى آثارها عند الرقابة، يصبح
العبث بالورق عبثًا بمصير الناس.
الأخطر من ذلك أن يظهر “شهود” يجمّلون الواقع أو
يصمتون صمتًا متواطئًا؛ فالشهادة في مؤسسة تعليمية أمانة، لا مجاملة، ولا وسيلة
نجاة. شهادةٌ تُزيّف المعنى تُعلّم الطالب أن الكذب حلّ، وتقول للأستاذ إن النزاهة
عبء.
هذا النص لا يطلب تشهيرًا، بل يذكّر بقاعدة
واحدة: لا تعليم بلا صدق، ولا مؤسسة تعليمية تُنقَذ بملفاتٍ منسّقة أو شهاداتٍ مطمئنة.
السراج لا يعود بالطلاء… بل بقول الحقيقة كما هي، وبالتحقق الشفاف، وبحماية الحق
قبل حفظ الصورة.
“هذا النص عملٌ أدبيّ متخيَّل، وأي تشابه مع وقائع أو أشخاص حقيقيين هو محض صدفة، ولا يُقصد به توجيه اتهامٍ إلى أي فردٍ أو جهة.”
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق