عندما تتحول الإدارة إلى سلطة مغلقة:
كيف تفسد بعض البيئات الجامعية معنى التعليم… وتربّي الطلبة على
الصورة قبل العلم؟
مقدمة
المؤسسة التعليمية – أياً كان اسمها أو موقعها – يُفترض أن تكون
مكانًا تُصان فيه قيمة المعرفة، ويُحترم فيه الإنسان، وتُدار فيه الأمور بمعايير
واضحة، لا بأهواء خفية.
لكن في بعض البيئات الجامعية، ينقلب المفهوم رأسًا على عقب:
تتحول الإدارة من “خدمة للمكان والناس” إلى “سلطة
على المكان والناس”،
من المسؤولية إلى السيطرة،
ومن حماية الحقوق إلى توزيعها كغنائم.
هناك، لا يُقاس نجاح المسؤول بما يصل إليه الطالب من فهم، بل بما تصل
إليه عدسة الكاميرا من زوايا.
ولا تُراجع البرامج بما فيها من محتوى، بل بما
فيها من صور أنيقة وتقارير مصقولة.
في مثل هذه البيئات، يتحول التعليم إلى ديكور،
والقانون إلى ديباجة تعلق على الجدار،
والشفافية إلى تهمة،
وأبسط سؤال مهني إلى “وقاحة” تستحق التأديب.
أولاً: حين تصبح الصورة أهم من الفكرة
في بعض البيئات الجامعية، يبدو أن أهم “مخرج تربوي” هو ألبوم الصور لا
دفاتر الملاحظات.
نرى ذلك واضحًا في:
- استعدادات
محمومة لليوم “المصوَّر”،
- تزيين
قاعات عروض السمينار ومشاريع التخرج أكثر من تزيين العقول بالمحتوى،
- انشغال
الادارة بـ “كيف سيظهر المشهد؟” أكثر من سؤال “ماذا حدث فعلًا طيلة الفصل؟”.
يُستدعى الطلاب لعروضهم النهائية وكأنهم مدعوون لحفل أزياء لا لمناقشة
جهد علمي:
بدلة جديدة، حذاء لامع، فستان “يليق بالمناسبة”،
مظهر “يشرف المكان” كما يُقال.
المشكلة ليست في الأناقة؛
المشكلة في أن كثيرًا من هؤلاء الطلاب يتحركون
تحت ضغط مادي رهيب:
- أسر تُجبَر
على شراء ملابس لا تستطيعها،
- وطلاب
يحسبون ثمن القميص وربطة العنق قبل ثمن الكتاب والمرجع.
الرسالة التي تلتصق بذاكرة الطالب لا تحتاج شرحًا طويلًا:
“المهم
أن تبدو كما يريدون… أما ما تعرفه فعلاً، فهذا أمر ثانوي.”
ثانيًا: ضحكة المسؤول… ووجه المؤسسة الحقيقي في عيون الطلبة
في اليوم الكبير:
مسؤول يمر بين الصفوف، يتفقد اللوحات، يتبادل
النكات الخفيفة، يلتقط الصور بابتسامة واسعة.
كل شيء يبدو مثاليًا في عدسة المصور:
- طلاب
أنيقون،
- عروض
معروضة على شاشات،
- كلمات
ترحيب وتصفيق منظم.
لكن ما تراه عين الطالب شيء آخر تمامًا:
- مادة كاملة
لم تُشرح كما يجب،
- إشراف
أكاديمي تم على عجل،
- تساؤلات لم
يُسمح لها أن تُطرح؛ لأن الوقت “لا يحتمل التعطيل”.
ضحكة المسؤول هنا ليست مجرد “بشاشة وجه”، بل غطاء رقيق لواقع يعرفه
الجميع:
هناك خلل… لكن لا أحد يريد أن يراه في الصورة.
هكذا يتعلم الطالب، مبكرًا جدًّا، أن:
- السلطة
تستطيع أن تمر فوق النقص،
- وأن الشكل
يمكن أن يمحو الأسئلة،
- وأن الصمت
على ما يحدث جزء من “الأدب” المطلوب.
ثالثًا: السيمينار ومشروع التخرج… عرض مسرحي أم اختبار علمي؟
في بعض البيئات الجامعية، يتحول السيمينار ومشروع التخرج إلى تمرين
على إدارة الانطباع لا على البحث العلمي:
- الشرائح
الملونة أكثر دقة من الأفكار المعروضة فيها.
- طريقة
الوقوف ونبرة الصوت تحسم الانطباع، حتى لو كان المحتوى متوسطًا أو ضعيفًا.
- الأسئلة –
إن طُرحت – تدور غالبًا حول الإطار، لا حول العمق.
لا أحد يعترض على العرض الجيد؛
لكن حين يشعر الطالب أن ساعات تجهيز “البارو
بوينت” أهم من شهور القراءة الجادة، فهناك رسالة خفية تُغرس فيه:
“أدهِشهم
بالعرض، ولن يسألك أحد بجدية ماذا كان يمكنك أن تقدِّم لو توافرت بيئة علمية
حقيقية.”
رابعًا: الامتحان… حين يصبح جزءًا من الديكور
الامتحان – نظريًّا – هو لحظة الحقيقة.
لكن في بعض البيئات، يتحول إلى فصل جديد من فصول
“إدارة المظهر”:
- قاعات
منضبطة في الظاهر،
- أوراق
مطبوعة جيدًا،
- مراقبون
يتحركون في الممرات…
لكن الطالب يعرف – بالتجربة – أن:
- فرص الغش
مرتفعة في بعض اللجان،
- وأن
الرقابة تغمض عينيها أحيانًا “حرصًا على الهدوء”،
- وأن نجاة
الشكل أهم من نجاة المبدأ.
والمفارقة المؤلمة أن بعض الأساتذة أنفسهم يدركون ما يجري، لكنهم
يلوذون بالصمت؛ لأن الاصطدام مع هذه المنظومة قد يكلفهم أكثر مما يحتملون.
بهذه الطريقة، يتخرج طالب وهو يحمل شهادة، ويعلم في داخله:
أنه اجتاز موادّ لم يتقنها،
وأن النظام نفسه كان شريكًا صامتًا في ذلك.
أي رسالة أعمق من هذه يمكن أن تُفسد ضميرًا ناشئًا؟
خامسًا: ملامح الإدارة السلطوية الفاسدة في هذه البيئات
إذا حاولنا تلخيص ما سبق في ملامح واضحة، سنجد أمامنا نمطًا يتكرر:
1. الاستيلاء على الحقوق وتحويلها إلى “مِنّة”
الحق المالي أو المهني لا يُعامل كاستحقاق، بل كإشارة رضى:
- يُمنح لمن
يَسكت ويُجامل،
- ويُماطَل
مع من يسأل ويتحفظ.
اللوائح موجودة، لكن استدعاءها انتقائي، يُستخدم حين يخدم السلطة،
ويُهمل حين يقيّدها.
2. صناعة صورة دائمة الإضاءة لواقع معتم
تقارير، صور، فعاليات متلاحقة…
كل شيء يحكي عن نجاح لا يتوقف، أما داخل القاعات
والمختبرات، فصورة مختلفة تمامًا:
نقص في إمكانات، تعب بلا تنظيم، وتعبير صامت عن
سخط لا يجد طريقه إلى السجلات.
3. نشر ثقافة الخوف بدل ثقافة الحوار
في هذه البيئات، الجملة غير المنطوقة هي:
“لا
تفتح هذا الملف… لا تطرح هذا السؤال… ولا تقترب من تلك المنطقة.”
يصبح النقد “قلة أدب”،
والمطالبة بالشفافية “تشكيكًا”،
والمشاركة في النقاش “مجازفة غير محسوبة”.
4. التجسس الناعم وإدارة الناس بالشك
بدل أن تُفتح أبواب الحوار، تُفتح آذان للهمس:
- “من قال ماذا؟”
- “من كتب هذا؟”
- “من اشتكى هناك؟”
تُجمع القصاصات، وتتراكم الانطباعات، ويُصنَّف الناس خلف ظهورهم، حتى
ينشغل الجميع بالحذر من بعضهم البعض.
5. التشويه كعقاب على الاعتراض
من يعترض لا يُجابَه بحجة، بل يُواجَه بصورة.
تُكتب عنه تقارير فضفاضة، تُلقى عليه تهم مطاطة
من نوع “غير متعاون”، “يثير المشاكل”، “سلبي”، وكأن المطلوب من الجميع أن يصفقوا
طوال الوقت، ولو كان المسرح يحترق.
6. تكوين “حلقة حماية” مغلقة
مع الوقت، تتشكل دائرة ضيقة حول مركز القرار:
- تحصل على
النصيب الأكبر من الفرص،
- وتملك
القدرة الأكبر على التأثير في التقييم،
- وتعيش من
مصلحة استمرار هذه اللعبة كما هي.
خارج هذه الدائرة، هناك كثيرون يعملون بجد، لكنهم يشعرون أن سقفهم
الزجاجي منخفض، وأنهم كلما حاولوا الوقوف مستقيمين اصطدمت رؤوسهم بهدوء بواقع لا
يرحب بالاستقامة كثيرًا.
سادسًا: ماذا يتعلم الطالب من كل ذلك؟
من مشهد البدلة التي أغلى من الكتاب،
ومن امتحان يمر بالغش أكثر مما يمر بالتحصيل،
ومن مسؤول يبتسم للصورة ويشيح بوجهه عن السؤال
الجاد،
يتعلم الطالب – دون محاضرة – أن:
- التجميل
أقوى من الحقيقة،
- والولاء
للشكل مقدَّم على الولاء للقيم،
- وأن النظام
نفسه في تلك البيئات لا يحترم قواعده إلا في حدود ما يخدم صورته.
هذا الطالب نفسه، سيخرج يومًا ما إلى مهنة، موقع مسؤولية، أو كرسي
قرار، وهو يحمل هذا “المنهج الخفي” في داخله. عندها لن تكون الأزمة مجرد “خلل في
بيئة جامعية”، بل خلل متسلسل في المجتمع كله.
سابعًا: ماذا يمكن فعله… دون تهور ودون استسلام؟
ليس الحل في الصراخ، ولا في تبرئة أنفسنا من كل مسؤولية، بل في خطوات
واعية تحاول تقليل الضرر قدر المستطاع:
1. وعي لا يتخدّر
o
أن يعرف الطالب وعضو هيئة التدريس أن ما يحدث ليس “طبيعيًّا”، حتى لو
تكرر،
o
وأن يرفض – بداخله على الأقل – أن تكون الصورة بديلاً عن المحتوى.
2. توثيق بدل الثرثرة
o
تسجيل القرارات المهمة، الاحتفاظ بالمستندات،
o
كتابة الوقائع عند وقوعها،
o
تكوين ذاكرة حقيقية لما يجري، بدل الاكتفاء بحكايات تتبخر مع الزمن.
3. عمل جماعي بلا شخصنة
o
بناء دوائر نقاش مهنية بين الزملاء، بعيدًا عن الشخصيات والاصطفافات،
o
صياغة مطالب واضحة حول العدالة، نزاهة الامتحانات، وضوح الحقوق.
4. استدعاء القانون عندما يكون الطريق
مسدودًا
o
استخدام القنوات الرسمية المتاحة بهدوء وإصرار،
o
دعم أي جهد لمراجعة مستقلة أو تدقيق من جهة أوسع وأقرب للمعايير.
خاتمة: ما بين الصورة والحقيقة
في بعض البيئات الجامعية، يبدو أن الكاميرا تعمل بدوام كامل، بينما
عقل المؤسسة يعمل بنصف طاقته.
يُطلب من الطالب أن “يظهر” أكثر مما يُطلب منه أن
“يفهم”،
ويُطلب من الأستاذ أن “يمرّر” اليوم بأقل ضجيج
أكثر مما يُطلب منه أن “يُصلح” ما رآه معوجًّا.
لكن يبقى السؤال مفتوحًا:
ماذا سيكون مصير مؤسسة تُدار بهذه الروح بعد عشر
سنوات؟
وماذا سيكون مصير مجتمع يعتمد على خريجيها؟
الصورة قد تخدع الناس بعض الوقت،
قد تخدع الرأي العام،
قد تخدع بعض المسؤولين في تقارير قصيرة العمر…
لكنها لا تستطيع أن تخدع طالبًا يعرف جيدًا ماذا تعلّم،
ولا أن تخدع الواقع حين يطالب – بلا مجاملات –
بحصيلة ما زُرع من قيم في قاعات الدرس، أو ما أهدر منها أمام عدسة كاميرا وبدلة
جديدة لا تُخفي فراغًا طويل الأمد.
#معادلات_خالد
#بدون_شفافية_لا_تعليم
#ردوا_للعلم_كرامته
#نريد_علمًا_لا_استعراضًا
كلام رصين وأفكار جريئه لا تأتي إلا من فكر راقي وعقل مستنيه وروح حره وشخصيه متميزه مبدعه ...بارك الله فيكم ونفع بكم
ردحذفعفوا ..عقل مستنير
ردحذفوكأنها مفرخة وحاضنة لفساد الذمم يملؤها بخور وأضواء كبار ساكنيها عجزة
ردحذف