السبت، 13 سبتمبر 2025

أين تذهب الموارد في التعليم؟ تساؤلات حول الأولويات



أين تذهب الموارد في التعليم؟ تساؤلات حول الأولويات

أين تذهب كل تلك الأموال التي يدفعها الطلاب كل عام؟
سؤال قد يبدو بريئًا، لكنه يكشف عن الكثير من التحديات في عالم التعليم.

الطالب يسلّم شيكًا ضخمًا وهو يتخيل أن هذه الأموال ستتحول إلى قاعات عصرية، معامل متطورة، محتوى حديث، وربما رواتب محترمة لمن يدرّس له.
لكن المفاجأة أن من ينهض بالعملية التعليمية فعليًا — عضو هيئة التدريس — لا يراه من هذا المال إلا صورته على ورق إيصال الصرف… وأحيانًا لا يراها أصلًا.

الأستاذ يركض بلا توقف: محاضرات، إشراف، تصحيح، لجان، تقارير، أنشطة، ثم حين يحين وقت قبض مستحقاته، يبدأ موسم السيرك الإداري العظيم: أوراق لا تنتهي، توقيعات بلا معنى، وقيود لا أحد يعرف لماذا وُضعت أصلًا إلا لتقليص المبلغ في النهاية.
كل ذلك يجري وفق قواعد صرف شاخت منذ عقود ولم تمسسها يد التطوير أبدًا، وكأن الاقتصاد لم يتغير، وعدد الطلاب لم يتضاعف، وكلفة الحياة لم ترتفع.

والأطرف أن المستحقات نفسها لا تأتي فقط ضئيلة، بل متأخرة ومبهمة؛
فالأستاذ لا يعرف أصلًا ما الذي يتقاضاه مقابل ماذا، ولا يجد بيانًا يشرح له، ويُضطر — إن أراد أن يفهم — إلى الذهاب إلى موظف يسأله فيهمس له بالمبلغ وكأنه يُخبره بسرّ عسكري.
هكذا يتحول الراتب إلى لغز موسمي يُكشف بالشفاه، لا وثيقة حقوق تُصرف بكرامة.

أما اللوائح المالية فهي حكاية أخرى من كتب الخيال العلمي؛
فهي سرّية ومبهمة إلى حد أن محاولة فهمها أشبه بمحاولة حلّ أحجية في غرفة مظلمة.
جرب فقط أن تسأل: لماذا لا تعادل حصة أستاذ جامعي بكل ما فيها من جهد وخبرة حصة معلم ثانوي من حيث المقابل المالي؟
ستدخل متاهة بيروقراطية تنتهي دائمًا بلا تفسير، وكأن الإجابة مصنفة «سري للغاية».

وحتى العائد المالي من المقررات الجامعية التي يُفترض أنها ثمرة جهد الأستاذ نفسه، وتقوم الكلية بتحصيله لحسابه ضمن المصروفات ثم تقتطع منه نسبة مقابل هذا العمل، لا ينجو من هذا العبث؛
فالإدارة تضع قيودًا خزعبلية كأنها بوابات معبد فرعوني، ولا يصرف المبلغ إلا إذا وقّع الأستاذ عقد إذعان يتنازل فيه عن أفكاره وكتبه وحقوقه الفكرية لصالح الكلية، أو تنازل عن مستحقاته بالكامل مقابل أن يُعفى من تلك القيود المهينة.

الخلاصة: عليك أن تختارإما التنازل عن الفكر… أو التنازل عن الحق.

في المقابل، تُفتح خزائن المكافآت بسخاء لجوقة المصفقين المحيطين بالقيادات الجوفاء، الذين يتقنون فن الابتسام في الاجتماعات أكثر من فن التدريس في القاعات.
هؤلاء يُكافَؤون بالولاء، بينما من ينهض بالتعليم يُعاقَب بالصمت والتهميش.

والأجمل في هذه المسرحية أن الطالب نفسه مقتنع أن كل ما يدفعه يذهب إلى جيب الأستاذ؛
فهو يرى المصروفات تتصاعد كالصاروخ، بينما الأستاذ ينظر إلى راتبه المتجمد كأنه شهادة وفاة صادرة من قسم الشؤون المالية.
وهكذا يُحمَّل الضحية وزر الجريمة.

أما المال الحقيقي؟ فغالبًا ما يُصرف على ديكورات مبهرة ومشروعات تجميلية سطحية لا علاقة لها بجوهر التعليم، أو مكافآت إدارية ضخمة بلا شفافية، أو يُدفن في دهاليز بيروقراطية لا يعرف أحد أين تبدأ وأين تنتهي.
وكل ذلك يجري بينما القيادات تحتفل بتغيير لون الحوائط من البيج إلى البمبي أو الأزرق الفاتح، وكأن جوهر الأزمة كان لونيًا لا معرفيًا.
يظنون أن الطلاء الجديد كفيل بإحياء عقول أنهكها الإهمال، وأن بريق الجدران سيغطي فراغ القاعات من المعرفة.
إنها عقلية التجميل السطحي التي تضع روجًا على جثة ثم تحتفل بأنها عادت شابة.

وتتجلى المفارقة الكبرى في نظام الساعات المعتمدة؛
حيث يدفع طالب البرنامج الخاص في بعض الكليات أربعة أضعاف ما يدفعه زميله في البرنامج العام، ثم يجلسان معًا في القاعة نفسها المتهالكة، ويستخدمان المعامل ذاتها المتقادمة، ويتلقيان المحتوى نفسه من الأستاذ نفسه الذي يتقاضى دخلًا هزيلًا لا يوازي الجهد المبذول.
وهذا واقع لا يمكن إنكاره أو تبريره؛ فصحيح أن تكافؤ الفرص التعليمية أمر محمود، لكن من المنطقي والإنصافي أيضًا أن من يدفع أضعافًا مضاعفة أن يجد مقابلًا واضحًا لهذا الفارق المالي الكبير، سواء في عدد الطلاب داخل القاعة، أو جودة التجهيزات والمعامل، أو مستوى الخدمات الأكاديمية والدعم التقني.
أما أن يختلف رقم الإيصال وحده وتبقى التجربة التعليمية واحدةفذلك ظلم صريح وخلل لا يمكن السكوت عليه.

وفي النهاية، تبقى المعادلة المرة: طالب يدفع ولا يتعلم، أستاذ يعلّم ولا يُكرَّم، إدارة تحصد ولا تُحاسَب.
إنها منظومة تحوّل التعليم إلى قشرة ملوّنة بلا مضمون، وتحوّل من ينهض بها إلى ضحايا دائمين.
ولذلك، فإن أول خطوة لإنقاذ التعليم ليست طلاء الجدران ولا التصنيفات الوهمية، بل كشف أين تذهب أمواله فعلًا، وإعادتها إلى مكانها الطبيعي: داخل القاعة، لا في جيوب من يزيّنونها.

فالتعليم لا ينهار لأن المال غير موجود، بل لأنه يضيع في الطريق قبل أن يصل إلى القاعة.
وحين تُعاد أموال التعليم إلى من يعلّم، سيعود التعليم نفسه إلى الحياة.


هذا المقال رأيٌ شخصي بحسن نيّة، لا يوجّه اتهامًا لأي جهة، ولا يُعدّ استشارةً قانونية.

#معادلات_خالد

#بدون_شفافية_لا_تعليم

#ردوا_للعلم_كرامته

#نريد_علمًا_لا_استعراضًا

 

هناك تعليق واحد:

  1. ما شاء الله أستاذنا فعلا هذا لسان حال الطالب وأستاذه ولكن نريد تفاصيل علي الدراسه من البيت وتأثيرها علي مستوي الطالب المعلم وعلي التعليم في مصر كلها مع العلم إن التعليم داخل كليات الجامعة مباشر

    ردحذف

زيادة راتب الأستاذ الجامعي: مطلب عادل يبدأ من الشفافية وكسر حاجز الخوف ليست أزمة أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الحكومية أزمة مرتبات فقط، ر...