الأربعاء، 17 سبتمبر 2025

الثراء الأكاديمي المفاجئ: ملامح مشهد جديد في الجامعات

 

الثراء الأكاديمي المفاجئ: ملامح مشهد جديد في الجامعات

تُعرَف الجامعات تقليديًا بأنها معاقل للمعرفة والعقلانية، حيث يكرّس الأساتذة والعلماء حياتهم للبحث والتدريس وخدمة المجتمع، لا لمطاردة الثروات ولا لاصطياد المكافآت بعيون لامعة. لكن بعض الزوايا المعتمة في بعض المؤسسات التعليمية بدأت تكشف عن نماذج عجيبة — قليلة العدد لكنها شديدة التأثير — تمارس هواية غير مدرَجة في الوصف الوظيفي: فن تزيين المال القبيح بربطة عنق أكاديمية.

يبدأ الأمر عادةً بمظاهر تبدو بريئة من بعيد: مكافآت مبالغ فيها تُمنح لفئة محدودة من (المصفقين المخلصين)، تحت عشرات المسميات المهيبة مثل «وحدة .......» و«لجنة......» و«فريق.......» و«مركز.......». ثم تنتهي بعض هذه المكافآت — في مسار عجيب لا يفهمه إلا من شارك فيه — إلى جيوب داخل الدائرة الإدارية الضيقة، في دورة مالية أنيقة أشبه بغسّالة ذكية للنقود (غسيل أموال).

 وفي المقابل، يُهمَّش باقي أعضاء هيئة التدريس ويُترَكون يتخبطون في متاهات الإجراءات البيروقراطية، تُؤخَّر حقوقهم أو تُماطَل مستحقاتهم حتى يُصابوا بمتلازمة (لا جدوى من المطالبة)، بينما من يجرؤ على رفع صوته يُوسَم بـ«المشاكس» ويُحاط بهالة تحذير غير مكتوبة كي لا تنتقل عدوى المطالبة بالحق إلى غيره.

ويضاف إلى ذلك أسلوب أكثر أناقة في الاستيلاء على المستحقات، يتمثل في حجب المعلومات المالية عن أعضاء هيئة التدريس عمدًا: فربما يفاجأ أحدهم بأن مقرراً كان يُدرّسه منذ سنوات له مكافأة بمبالغ ضخمة لم تُصرف قط، ثم تظهر فجأة في دفاتر الإدارة مع عبارة (عفا الله عمّا سلف).

 أو تُستبعَد مخصصات مالية كاملة من نصيب البرامج ، وتُحوّل سراً إلى (أهل الحظوة) دون علم بقية الأعضاء. وفي مشهد أكثر عبثية، قد تُجرَّد برامج أكاديمية كاملة من مخصصاتها وتُسلَّم ميزانيتها إلى إداري غير متخصص ليتولّى توزيعها بمعايير الولاء الشخصي لا الرقابة المؤسسية، وكأن المال العام لعبة سرّية لا يحق لأصحاب الاستحقاق أن يعرفوا قواعدها.

وفي مشهد سريالي آخر، ترى التفاوت البصري الفاضح في بيئة العمل: مكاتب العلماء متقشّفة بالكاد تصلح للجلوس — بل إن كثيراً منهم ينفقون من جيوبهم على تجهيز مكاتبهم ودهان جدرانها — بينما تتلألأ مكاتب بعض (المسؤولين متواضعة مناصبهم) وكأنها صالات استقبال لبعثات دبلوماسية.

 من المدهش أن أصغر موظف في الدائرة المقربة قد يحظى بمكتب أفخم من مكتب أستاذ كرّس خمسين عاماً من عمره للبحث العلمي.

ولا يتوقف الأمر هنا؛ فهناك هواية أكثر تشويقاً يمارسها بعض اللاعبين البارعين، هي تكديس المناصب كما تُكدَّس العملات المعدنية: شخص واحد يتولى خمسة أو ستة مناصب في وقت واحد، وكأن الزمن يتضاعف له وحده. وفي سبيل حماية هذا الاحتكار الفريد، تُعرقَل ترقية الأكفأ وتُلفّق المشكلات لآخرين بهدف استبعادهم من الطريق، وبذلك تتحول الترقية من استحقاق مهني إلى امتياز شخصي موروث. وهكذا يصبح المعيار الحقيقي للترقية هو الطاعة المطلقة لا الكفاءة، والولاء للأشخاص لا للعلم.

ومن أدوات إحكام السيطرة أيضًا أن تقوم تلك القلة بتنصيب قليلي الكفاءة ومحدودي الخبرة وذوي الدرجات العلمية المتواضعة رؤساء على من هم أعلى منهم علمًا وخبرة وكفاءة، في مشهد يناقض المنطق الأكاديمي لكنه يخدم منطق النفوذ الخفي.

والسبب بسيط وعملي للغاية: فالشخص ضعيف الكفاءة لا يهدد المنظومة، بل يعتمد في بقائه عليها، فيغدو ولاؤه لشبكة النفوذ لا للمعايير المهنية.

كما أن محدود الخبرة يُغريه البريق الإداري المفاجئ، فيقبل أن يكون واجهة شكلية مقابل الامتيازات، فلا يسأل كثيرًا ولا يعارض أبدًا.

أما أصحاب الدرجات العلمية العليا والخبرات الواسعة، فهم بطبيعتهم أكثر استقلالًا ويميلون إلى النقد، وهذا يجعلهم — من وجهة نظر الشبكة — خطرًا محتملاً على استقرار اللعبة. وهكذا تتحول المناصب من مواقع قيادة فكرية إلى دروع بشرية تحمي الفساد من المساءلة، ويصبح معيار التعيين ليس الكفاءة، بل ضمان الطاعة والسكوت.

هذه النماذج، وإن كانت قليلة العدد، فإن أثرها يشبه الفيروس المؤسسي الذي يضرب مناعة المكان الأكاديمية: يزرع ثقافة الشك، ويحوّل البحث العلمي إلى ديكور فاخر يغطي صفقات النفوذ، ويدفع العلماء الحقيقيين إلى الانكفاء أو الهجرة.

والأسوأ أن المؤسسة تبدأ شيئاً فشيئاً في قياس قيمة الفرد بقدرته على الصمت والتطبيل، لا بقدرته على الإبداع والبحث؛ فيُبجَّل الأستاذ المطيع الخانع ويُقلَّد المناصب، بينما يُستبعَد العالم الفذ المبدع لأنه (غير مريح) للإيقاع السائد. وهكذا ينقلب سُلَّم القيم رأساً على عقب، فيتحول الجهر بالحق إلى تهمة، والصمت إلى وسام شرف.

ومع ذلك، يجب أن يُقال بوضوح:

 ما سبق ليس اتهاماً لمؤسسة أو شخص بعينه، بل محاولة صادقة لدقّ ناقوس الخطر. فالسواد الأعظم من الأكاديميين لا يزالون نماذج للنزاهة والتفاني والرسوخ العلمي، لكن ترك هذه القلة العابثة دون رقابة كفيل بتحويل الجامعات من منارات للعلم إلى منصّات أنيقة لتدوير المال. والدواء هنا ليس معقداً: شفافية مالية، ورقابة مستقلة، وشجاعة أخلاقية تكسر دوائر الصمت والخوف.

لأن ترك (الثراء الأكاديمي المفاجئ) يمر بلا مساءلة هو أقصر طريق لتحويل العقل إلى سلعة… والجامعة إلى متجر فاخر بلا روح.

المراجع:

·       Levi, M., & Reuter, P. (2020). Money launderingAnnual Review of Criminology, 3(1), 365–385.

  • Salmi, J. (2021). Academic integrity and corruption in higher education: What can be done?. International Higher Education, 107, 14–16.
  • Heyneman, S. P., & Nezhina, T. (2022). Corruption in higher education: Global trends and policy responses. Higher Education Policy, 35(1), 49–67.
  • Luescher, T. M., & Klemenčič, M. (2023). Governance and power in higher education: Networks, accountability, and academic freedom. Studies in Higher Education, 48(3), 455–472.
  • Sattar, M., & Ahmed, F. (2024). Fear culture and silence in academic institutions: Implications for organizational ethicsJournal of Higher Education Policy and Management, 46(2), 213–229.

 شكر وتقدير

أتوجّه بالشكر والامتنان إلى من كانت فكرتها مصدر إلهام لبلورة هذا المقال

ما ورد في هذا المقال عرضٌ تحليلي عام لثغرات محتملة وممارسات قد تُلاحظ في بعض البيئات التعليمية، بهدف تحسين الحوكمة والشفافية، دون نسبة واقعة بعينها لأي شخص أو جهة. وأي أمثلة رقمية أو سيناريوهات واردة هي أمثلة توضيحية لا تُثبت واقعة محددة. كما أن المقال لا يُعد استشارة قانونية.

#معادلات_خالد

#بدون_شفافية_لا_تعليم

#ردوا_للعلم_كرامته

#نريد_علمًا_لا_استعراضًا


هناك تعليق واحد:

زيادة راتب الأستاذ الجامعي: مطلب عادل يبدأ من الشفافية وكسر حاجز الخوف ليست أزمة أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الحكومية أزمة مرتبات فقط، ر...