انحرافات اللوائح الدراسية: كيف ضاع الإيقاع الأكاديمي؟
حين نكتب
عن الانحراف في إعداد اللوائح الدراسية فنحن لا نعاتب أوراقًا، بل نراجع منظومةً
تصنع إمّا كفاءةً حقيقية وإمّا وهمًا مُقنّنًا. وهذه سطور رصد وتحذير لما
ينبغي تجنّبه حرصًا على مصلحة منظومتنا التعليمية؛ ليست اتهامًا لشخصٍ أو
جهة، ولا تعميمًا، بل قراءةٌ نقدية حُسنُ النيّة مقصدُها والإصلاحُ غايتُها.
فاللائحة
الرصينة تقوم على ركنين متكاملين: ركنٌ يضبط الإيقاع الأكاديمي—من نظام
الدراسة، وسياسات التسجيل/الحذف/الإضافة، وحدود العبء، والحضور والغياب، وأدوات
التقويم والإنذار والمعادلات، ولغة متطلبات الجامعة، وصولًا إلى شروط التخرّج—وهو
ركنٌ موحَّد قطاعيًا لا يجوز العبث به؛ لأنه ضمان عدالة المقارنة والاعتماد
وتنقّل الطالب. وأي تعديل محلي فيه يفتح باب التلاعب ويهزّ الثقة. وإلى جانبه ركن بناء المنهج التخصّصي - توزيع المقررات الإجبارية والاختيارية، سلال
الاختيار، المسارات الدقيقة، التدريب الميداني، مشروعات التخرّج، والتدرّج من
التأسيسي إلى التطبيقي—وهنا فقط مساحة التميّز المشروع التي تتيح للكليات
مواءمة محتواها مع بيئتها وسوق العمل مع بقاء مخرجات القطاع ثابتة.
وعندما
تنزلق اللائحة عن هذه الخريطة تتبدّى النتائج فورًا: طالبٌ بمسار معرفي مضطرب،
وعضوُ هيئةِ تدريسٍ تُفرَّغ مهنيته وتتآكل صلاحياته، وتتضخّم أعباؤه الإدارية،
وتضطرب جداول تدريسه، وتغيم معايير ترقيته، ويتقلّص وقته للبحث والتطوير المهني،
فتتصاعد معدّلات الإرهاق والانسحاب وهجرة الكفاءات، ومؤسسةٌ تتزيّن بالشعارات
فيما يتراجع الأداء. هذه المقدّمة تضع الميزان الذي سنقيس به، في بقية المقال،
مظاهر الانحراف وآثارها وسبل إغلاق منافذها—على سبيل التنبيه الوقائي لا الإدانة.
أولًا:
انحرافات في مواد تنظيم الإيقاع الأكاديمي
ثانيًا:
انحرافات عند بناء المنهج التخصّصي
ثالثًا:
«البرامج المتميّزة» … لافتة تلمع ومضمون يعتم
هنا تبلغ
المسرحية ذروتها؛ يُؤخَذ برنامجٌ عتيق فيُعاد تغليفه بلافتة «خاص»، فتقفز الرسوم
إلى خمسة أضعاف، وتُصنع «الخصوصية» بهندسة قبول عبثية: العام يشترط 100% من
الدرجة، والخاص يُفتَح عند 50% فقط وفق تنسيقٍ داخلي لا يراه الرأي الأكاديمي. ولا
يتوقف المشهد عند التسعير؛ إذ يُدار التنسيق أحيانًا لمعاقبة قسمٍ بعينه بمنع دخول
الطلبة إليه، وتُدفَع الجموع - بلا معايير ولا دراسات مهنية—نحو قسمٍ آخر تُعظَّم
عوائده. بعدها تُرفع اللافتة: «برنامج متميّز»، وتُلتقَط الصور. أي عبقرية هذه
التي تحوّل أداة ضبط التوازن العلمي إلى رافعةٍ لإعادة توزيع النفوذ والموارد؟
أمّا التميّز الحقيقي - ذلك الذي لا يحب الكاميرات - فيقيم في المعمل، وفي مشروع
تخرّجٍ جادٍّ يحلّ مشكلة ويُنتج أثرًا قابلًا للقياس، لا في «مشروع» ينتهي ببدلةٍ
وفستانٍ وصورةٍ على المنصة. التميّز يُقاس بالشراكات والتدريب ومؤشرات التوظيف
المُعلنة؛ لا يسكن نشرة القبول، ولا فاتورة (الخمسة أضعاف).
الحصيلة…
ولماذا لا يجوز الصمت
النتيجة
المباشرة لانحراف إعداد اللوائح: طالبٌ بمسار معرفي غير متدرّج ومحتوى مكرر وخبرة
عملية منقوصة، فيحمل شهادةً بلا كفاءة وفرص توظيف أضيق. وعضو هيئة تدريس تُفرَّغ
مهنته وتتناهشه الجداول والولاءات فتتقلّص مساحات التطوير، فيما تتزيّن المؤسسة
بملفات اعتماد ورقية لا تصمد أمام سؤال «أين الأثر؟». وكل ذلك يبدأ من تصرّفات
فردية معزولة، لكنها إن تُركت تتراكم وتتحوّل إلى نمطٍ مُضرّ.
العلاج:
حوكمة تُقاس لا تُحكى
الحلّ عمليّ لا خطابيّ: التزام صارم بلائحة القطاع كما أُقرّت—لا قصًّا ولصقًا ثم الادّعاء أنها «من القطاع». تُحصَّن مواد تنظيم الإيقاع الأكاديمي على مستوى القطاع، وتُترك مساحة التميّز في الاختيارات المعرفية المبرَّرة فقط. تُنشر المسودات للنقاش قبل الإقرار، وتُرفق بخريطة مواءمة تُظهر العائد التعليمي لكل مادة، ويُربط الاعتماد والتمويل بنتائج قابلة للتحقّق: مهارات عملية موثّقة، نسب توظيف، وشهادات مهنية مُعلنة، مع مراجعات محايدة دورية تُعلن نتائجها وخطط الإصلاح، وفصلٍ متوازن بين السلطتين الأكاديمية والإدارية حتى لا يمر نصٌّ يعيد هندسة النفوذ على حساب جودة التعلم. وأي «برنامج خاص/متميّز» لا معنى له دون معايير علنية قابلة للقياس وشفافية التكلفة وربط الزيادة بقيمة ملموسة
( معامل
وتجهيزات، تراخيص، حصص تدريب مضمونة، إشراف مهني).
المعيار
الحاسم بسيط: تُرى جودة اللائحة في أثرها- تعلّم مُتقَن يُقاس،
هيئة تدريس ممكَّنة تُحاسَب، وخريج قادر على العمل والتعلّم المستمر؛ وما عدا ذلك ملصقٌ
لامع على صندوقٍ فارغ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق