بازارُ المرونة… صورةٌ لامعةٌ جوفاء
في هذا
البازار تُعلَّق لافتةٌ براقة: مرونة.
يمرّ الطالب تحتها فيأخذ رقمًا وينتظر “خدمةً” سريعة: امتحانٌ صيفيّ
لم يُبنَ عليه درس، أو قفزةٌ فوق متطلبٍ سابق. تُقدَّم له النتيجة في صحنٍ لامع،
وتُؤخذ منه الرسوم في ظرفٍ محكم. ثم يمضي وكلّ شيءٍ يبدو على ما يرام… إلا العلم
نفسه.
في سبيل
المرونة، تختفي المتطلبات السابقة؛ لا لأنها بلا معنى، بل لأنها “تُزعج”
الإدارة: تصنع احتكاكًا مع الجدول، وتؤخّر التقارير، وتعرقل الواجهة المصقولة.
تُمحى العتبات التي تحمي المتعلم كي لا تتعكّر الصورة اللامعة الجوفاء.
تُصبح القاعدة التي تحفظ السُّلّم الأكاديمي مجرد عائقٍ ديكوريّ في
طريق حملة الشعارات؛ ومع كل عتبةٍ تُزال، يُسحب من الطالب جزءٌ صغير من مستقبله لا
يلحظه أحد في اللحظة، لكنه ينهار فجأةً ساعةَ الامتحان الحقيقي: سوق العمل.
الفاتورة—كالعادة—تصل
قبل المحاضرة؛ هذا هو النظام غير المعلن. تُستَخرج من الطالب قيمةٌ نقدية مقابل
“اختصارٍ” لا يسنده نصّ، وتُسجَّل عليه نتيجةٌ لا يسندها تعلّم. كل إيصالٍ بلا
سندٍ لائحي هو دينٌ مؤجَّل على الغد. الدرجة تبدو واثقةً على الورق، لكنها ترتجف
أمام الأسئلة الأولى: أين المهارة؟ أين المتطلب؟ أين الوقت الذي تهضمه المعرفة قبل
أن تثمر؟ حين تختفي المتطلبات السابقة تحت ذريعة المرونة، لا يصل الطالب أسرع؛ بل
يصل إلى مكانٍ غير مقصود.
وفي
الخلفية صوتٌ آخر لا يُسمع في الصور الرسمية: عضو هيئة التدريس. يُستدعى لسدّ
فجواتٍ فُتحت عمدًا، يُطالَب بثمارٍ لنبتةٍ لم تُزرَع كما ينبغي، ثم يُؤجَّل حقّه
باسم ترتيب الأولويات. تربح الإدارة سيولةً عاجلة، ويُدفَع ثمنها من جيبين: جيب
الطالب—مستقبله—وجيب الأستاذ—مستحقاته. هكذا يُعاقَب الطالب مرتين: الآن بجودةٍ
أقل، وغدًا بخبرةٍ ناقصة؛ ويُحاسَب الأستاذ مرّتين: جهدٌ زائد، وعائدٌ مؤجَّل.
يسمّونها
مرونة، وما هي إلا تقسيطٌ للوهم. المرونة الحقيقية فنّ توزيع الوقت
داخل القانون، لا فنّ تمرير النتيجة خارج النص. الأولى تبني ثقةً بطيئةً صلبة؛
الثانية تُنتج واجهةً برّاقةً هشة، تُرضي تقريرًا سريعًا وتُفقر المؤسسة من
الداخل. حين تُستبدَل العدالة بالزخرف، يصبح التعليم ماءً رماديًا: يلمع، ولا يروي.
لنتصوّر
المشهد بلا زينة: طالبٌ يدخل من بابٍ جانبي لأن العتبة أُزيلت، يخرج بإيصالٍ شديد
الانضباط وخبرةٍ شحيحة. أستاذٌ يخرج متأخرًا من قاعةٍ مزدحمة بترقيع الفجوات، وفي
يده وعدٌ مؤجَّل. وصورةٌ جماعية تبتسم على الجدار: واجهةٌ مكتملة العناصر، وخواءٌ
يئنّ خلفها. تلك هي الصناعة الكاملة للصورة اللامعة الجوفاء: تُخفى المتطلبات
لأنها تُفسد اللقطة.
الإصلاح
لا يحتاج خطابةً طويلة؛ يحتاج جملةً واحدة صريحة: لا
تحصيلَ بلا نص، ولا نتيجةَ بلا متطلب. ما عدا
ذلك إكسسوار. أطفئوا أضواء الأكشاك، وأعيدوا السُلّم إلى مكانه. أعطوا الطالب
وقتَه قبل أن تأخذوا ماله، وأعطوا الأستاذ حقَّه قبل أن تطلبوا ثمره. عندها فقط،
تلمع الصورة بما فيها ليس—بما
عليها—ويعود التعليم استثمارًا في المستقبل، لا صفقةً على حسابه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق