فضيحة التحريف: من قرارٍ وزاري إلى روايةٍ ملفّقة
لم تكن القصة اختلافًا على فاصلةٍ أو تعبير؛ كانت انتقالًا صادمًا من نصٍّ وزاريٍّ مُعلَن، إلى روايةٍ محليّةٍ مُلفَّقة تتزيّا بملامح القانون وهي تُخالفه. هذه ليست مبالغة بل وصفٌ أمينٌ لما يحدث حين تُعامَل اللائحة الموحّدة لكليات التربية كمسوّدةٍ قابلةٍ للقصّ واللصق، لا كميثاقٍ عامٍّ يضبط العدالة الأكاديمية بين طلاب وطنٍ كامل.
1. من النص إلى الظل: كيف بدأت الحكاية؟
صدر القرار الوزاري باللائحة الموحّدة ليُوحّد المعايير، ويقطع الطريق على الازدواجية بين الجامعات: معيار واحد لمرتبة الشرف، تنظيم واضح للفصل الصيفي، وخططٌ دراسية تتسع للمقررات الاختيارية داخل سقفٍ معلوم من الساعات.لكن ما جرى على الأرض حوّل النص إلى ظلٍّ باهت: أُضيفت مواد لا أصل لها، حُذفت أخرى، تبدّل الترقيم والمضمون، ثم رُفِعت نسخةٌ متداولةٌ في أروقةٍ ضيقة على أنها “النص الرسمي”—وتحتها توقيعات ومراسلات، وفوقها عناوين “اعتماد” و“مراجعة”، بينما القرار الوزاري—المرجع الوحيد—صامتٌ لم ينطق بتلك التغييرات.
أولًا: اختراع “مادة هجين”جُعلت “المرونة” بوابةً لفرض تعليمٍ هجينٍ عامّ، وامتحاناتٍ إلكترونية، وطرح مقررات خارج مواقيتها؛ كل ذلك على هيئة “مادة” لائحية غير موجودة في الأصل. التقنية نعمةٌ حين تثري القاعة، لكنها لا تُشرّع نظامًا بديلًا دون نصٍّ منشور.ثانيًا: رفع معيار الشرفتحويل GPA 3.3 إلى 3.5 ليس تعديلًا تجميليًا؛ إنّه مساسٌ بتكافؤ الفرص بين طلاب كليات التربية على مستوى الجمهورية. المعيار الوطني لا يتبدّل بقرارٍ داخلي، بل بقرارٍ وزاريٍّ مُعلن للجميع.ثالثًا: صيفٌ بلا تدريستجفيف الفصل الصيفي من محتواه التعليمي وتحويله إلى “فصل امتحانات فقط” قلبٌ لمنطق الساعات المعتمدة: الساعة ليست رقمًا يُحصى، بل تعلمٌ فعليٌّ واتصالٌ تربوي.رابعًا: تلبيس “النسبة الاختيارية”النسبة الاختيارية مساحةٌ لاختيار مقررات داخل الخطة— ومنصة لتعديل مواد اللائحة. الخلط بين الاثنين تزييفٌ للمعنى: فالخطة مجال مواءمة، أما المادة اللائحية فحكمٌ وطنيٌّ لا يُمسّ إلا بقرار وزير التعليم العالي وبصيغة منشورة.
هنا تتجلّى فضيحة التحريف: تُصاغ حكايةٌ بديلةٌ تُغطي على الواقع. تُحشد عبارات “التزام”، “مراجعة”، “اعتماد”، ويُستدعى ضجيج الاجتماعات ولجان الاستشارة—لكن لا يظهر قرارٌ وزاريٌّ واحد يجيز ما أُضيف وما حُذف.تتقدّم الحكاية على الحقيقة: يصبح “تعميم داخلي” قانونًا، و“ورقة عرض” تسويغًا، و“بيان إعلامي” مرجعيةً. هكذا تتحوّل اللوائح من نصوصٍ تُحاكم الواقع إلى رواياتٍ يصنعها الواقع على مقاسه.
هذه ليست قضايا صِياغة؛ إنها نتائج بشرية:
- طلابٌ حُرموا من حقٍّ أصيل في دراسةٍ صيفيةٍ جادّة أو في تحسين المعدّل، لأن الصيف صار امتحانًا بلا محاضرة.
- معيار الشرف تلاعب بعدالته، فاختلَّ ميزان التكريم.
- “الساعة المعتمدة” فرغت من روحها، وتحوّل التعلّم إلى سباقٍ نحو موعد الاختبار.
- ثقة المجتمع الأكاديمي اهتزت: إن كان النص يتلوّن، فبماذا نُقنع طلابنا؟!
5. الجامعة ميزان: بوصلة العودة تبدأ من هنا
الجامعة ليست مسرحًا للروايات، بل بيتُ قانون. والقاعدة بسيطةٌ شريفة:
- أيّ تعديلٍ لحكمٍ وطنيٍّ موحّد لا يُعتدّ به دون قرار وزاري منشور.
- المراجعات واللجان والمجالس محترمةٌ ومطلوبة، لكنها استشاريةٌ وتطبيقية، لا تشريعية.
- التقنية شريكٌ في التعليم، لكنها ليست مفتيًا للنص.
- الشفافية ليست خيارًا تجميليًا، بل شرط الثقة.
حين تضيق دوائر النقاش وتتضخّم أوامر التنفيذ، تُختَزل الجامعة في صوتٍ واحد. لكن الجامعة لا تنهض إلا بتعدّدٍ واعٍ: أستاذٌ يسائل ويقترح ويحتجُّ بالنص، قاعةٌ تُحاور، ومجالسُ تدوّن حججها في محاضر معلنة.
الأستاذ الجامعي فاعلٌ لا منفّذ: يطلب السند النظامي قبل التطبيق، ويصون كرامة المهنة برفض ما يخالف اللائحة، ويكتب رأيه في قنواته المؤسسية. الطاعة العمياء تُضعف الصرح؛ أمّا الفاعلية المسؤولة فتقوّيه.
لا نحتاج إلى شعارات، بل إلى خطواتٍ واضحةٍ ومباشرة:
1. مضاهاة رسمية فورية بين أي نسخةٍ متداولة والنسخة الوزارية الموحّدة، مع إعلان النتيجة.
2. إيقاف تطبيق أي نصٍّ مضافٍ أو محرّف إلى حين حسمه نظاميًا.
3. استرداد حقوق الطلاب وفق الأصل: صيفٌ للتعلّم، ومعيار شرفٍ معلَن، ونسبة اختيارية في المقررات لا في المواد.
4. تقرير علني يشرح ما جرى، ويؤكد أن الجامعة بيتُ نصوصٍ لا بيتُ روايات.
خاتمة: حين يعود النصّ ليحكم
“فضيحة التحريف” اسمٌ لما يحدث حين يختطف الواقعُ سلطةَ النصّ. والشفاءُ منها معروف: أن يتقدّم القرار الوزاري على الرواية المحلية، وأن تغلب الحجةُ المُعلَنةُ همسَ الغرف المغلقة، وأن تُتلى اللائحة كما كُتبت: ميثاقًا يحفظ العدالة، لا صفحةً تُغذّي التبرير.
عندها فقط—حين ينطفئ ضجيج الحكايات—نسمع صوت النصّ: واضحًا، مُعلَنًا، مُلزِمًا. وعندها فقط تستقيم البوصلة، ويعود التعليمُ إلى طريقه: طريقِ قانونٍ واحدٍ وعدالةٍ لا تتجزّأ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق