جمع التبرعات غير الرسمية داخل المؤسسات: بين التطوع والابتزاز
(هذا المقال يناقش أنماطًا عامة في بعض بيئات
العمل ولا يشير إلى جهة أو شخص بعينه)
في بيئات
العمل التي يُفترض أن تسودها النزاهة والشفافية، يطفو أحيانًا على السطح نمط من
المسؤولين لا يرى في المنصب إلا سلطة ونفوذًا، ولا يرى في العاملين إلا مصدرًا
جاهزًا لتحصيل المال. يختبئ هذا النمط وراء عبارات منمّقة مثل: التطوير،
الصيانة، تحسين البيئة، دعم العمل… عناوين براقة، لكنها تُستخدم كغطاء لممارسات يمكن
وصفها – من حيث الجوهر – بأنها استغلال فجّ وعبث متعمَّد بالمال والناس.
تبرعات…
بابتزاز ناعم لا يُقال بصراحته
هذا
المسؤول لا يقول: "ادفعوا" مباشرة، بل يقدّم الأمر في صورة مبادرة
“تطوعية”، تُجمع فيها الأموال في الظل، بعيدًا عن السجلات الرسمية والرقابة
المالية. ثم يُغلّف الفكرة بغلاف ديني أو أخلاقي:
إخفاء المتبرع “أعظم أجرًا”،
وعدم إعلان الأسماء “أقرب للإخلاص”،
حتى يصبح غياب الشفافية فضيلة، لا أداة للهروب من المحاسبة.
بهذا
الأسلوب، يتحول الضغط المعنوي إلى نوع من الابتزاز الناعم:
- من هو طيب
النية يُدفع دفعًا ليشارك ظنًّا أنه يفعل خيرًا،
- ومن يبحث
عن رضا المسؤول ومصالحه يتبرع ليضمن مكانه في “القائمة المفضّلة”.
وفي
النهاية، المال يتكدّس بلا ضوابط، والسلطة تتقوّى على حساب الضعفاء.
متبرع
“محصَّن”… يدفع ليُعفى من الحساب
مع الوقت
يتكوّن في المؤسسة "نادي المتبرعين المميَّزين":
تقصيرهم في العمل يُتجاهَل،
أخطاؤهم تُبرَّر،
غيابهم يُغضّ الطرف عنه،
لأنهم “لا يقصّرون في العطاء”.
هنا
تتحول التبرعات عمليًّا إلى رخصة غير معلنة للإفلات من الرقابة، ويصبح
المال وسيلة لشراء صورة الموظف “المثالي” ولو كان أداؤه في الواقع أقل بكثير مما
يُروَّج له.
والمؤلم
أن بعض هؤلاء يكونون أصلًا من أشد الناس احتياجًا للمال، أو من أحرصهم على كل
جنيه، لكنهم يُدفَعون للمساهمة خوفًا من خسارة الامتيازات أو طمعًا في معاملة
أفضل. وهكذا يُستغل ضعفهم مرتين: مرة في الجيب، ومرة في الكرامة.
في هذه
الأجواء، يتحرك المسؤول في الخفاء بعيدًا عن أعين الإدارة العليا:
ينفّذ “مشروعات” لا تمر عبر القنوات الرسمية،
يوزع الهبات على المقرّبين،
ويمنح المتبرعين مزايا وتسهيلات إضافية، فقط لضمان استمرار ضخ المال.
ومن
المفارقات القاسية أن هذا النمط من المسؤولين قد يرفع شعار:
"نريد أن نطوّر المكان، ندهِن الغرف، نبلّط
الممرات، نحسّن البيئة التي نقضي فيها معظم أوقاتنا"،
فيتوسع في جمع المال لتحسين الجدران والأثاث والديكورات، بينما هو
نفسه يتفنّن في تقليص المستحقات المالية للعاملين تحت سلطته، ويقتطع من
حقوقهم ما يستطيع، ويتشدّد في كل ما يعود عليهم بالنفع المشروع، وكأن تطوير المكان
أولى عنده من إنصاف البشر الذين يعملون فيه.
وهكذا تُصرف الجهود والأموال – الحقيقية والمتبرع بها – على الحجر،
بينما يُهدر حق الإنسان في التقدير والعدل والرزق المستحق. ومثل هذه الممارسات لا
تكون حالات فردية معزولة، بل تنتشر في بعض البيئات حتى تصبح أسلوبًا سائدًا
في الإدارة والمعاملة.
تتحول
التكريمات والجوائز إلى أداة انتقائية منحازة:
من يُكرَّم ليس الأكثر انضباطًا أو إنتاجًا، بل الأكثر قربًا من دائرة
العطاء.
ويُدفَع المجتمع الوظيفي تدريجيًا إلى قناعة مغلوطة مفادها:
“ادفع… تُكرَّم، وادفع… تُسامَح، وادفع… تُقدَّم.”
بهذا،
تتحول المؤسسة من بيئة عمل إلى ساحة جباية مقنَّعة، ومن مكان يُفترض أن يكافئ
الجهد إلى مكان يُكافئ فيه المال أولًا.
أخطر من
الجباية… تحويل العامل إلى درع بشري
لا يتوقف
الأمر عند جمع التبرعات؛ بل يتعداه إلى أساليب أكثر خطورة، حين يُطلَب من بعض
العاملين أن يكونوا واجهة لتمرير ما لا يجرؤ المسؤول على تسجيله باسمه:
“سنصرف
مبلغًا لغرض مهم، لكن الإجراءات الرسمية معقدة.
سنسجّل الأموال باسمك أنت ثم تُعاد لاحقًا.
المهم أن ننهي الموضوع بسرعة.”
بهذه
الصيغة “المخدِّرة”، يتحول الموظف إلى درع بشري قانوني؛
كل شيء يُسجل باسمه،
كل مخاطرة محاسبية تمر عبره،
يبقى هو في الواجهة، بينما صاحب القرار الحقيقي يختبئ خلفه.
وعندما
تُفتح الملفات، يكون أول من يُسأل هو هذا الموظف “المطيع”، لا من خطط ودبّر وحرّك
المشهد من الخلف.
وبعض المسؤولين من هذا النمط لا يتردد في تزيين هذه الأفعال بمبررات
تبدو معقولة: "تسريع إنجاز"، "خدمة العمل"، "ظرف
استثنائي"، بينما جوهر الفعل هو التلاعب بالأنظمة وتحميل الضعفاء
تبعات قرارات لا يملكون حقيقتها ولا تفاصيلها.
المؤسسات
المحترمة لا تتحول إلى صندوق جباية
في بيئات
العمل السليمة، أي تبرعات – إن وُجدت – تخضع لثلاثة مبادئ لا يُساوم عليها:
- الشفافية: إعلان
واضح لطبيعة التبرع والجهة التي تستقبله.
- التوثيق
والرقابة: تسجيل
رسمي خاضع للأنظمة والجهات الرقابية المختصة.
- الفصل بين
الأداء والمال: لا تُصبح
التبرعات معيارًا للتقييم أو بابًا للامتيازات.
المؤسسات
الجادة ليست بديلًا عن مؤسسات الزكاة أو الجمعيات الخيرية،
وليست مكانًا لسد العجز من جيوب العاملين،
بل جهات لها ميزانيات رسمية وبنود صرف معلنة، وأي التفاف على هذه
القواعد هو بداية لـ فساد إداري منظم مهما تجمّل بالشعارات.
خلاصة لا
مجاملة فيها
حين
يتحول المسؤول إلى:
- جامع
أموال لا حارس نظام،
- وموزّع
عطايا لا ضامن عدالة،
- ومبتكر
حيل للالتفاف على اللوائح لا ملتزم بها،
فإننا لا
نتحدث عن تطوير، بل عن جباية مغلّفة بشعارات أخلاقية،
ولا نتحدث عن إدارة رشيدة، بل عن نمط من الفساد الإداري يستغل خوف
الضعفاء وحسن نية الطيبين.
وجود هذا
النمط داخل أي مؤسسة هو جرس إنذار حقيقي بأن:
- العدالة
لم تعد قيمة حاكمة،
- والشفافية
أصبحت استثناءً،
- والمال
العام بات رهينة لتصرفات أفراد، لا لضوابط نظام.
والحصيلة
النهائية لا تقف عند حدود الأرقام؛
بل تمتد إلى ما هو أخطر:
انهيار الثقة، وانكسار كرامة العامل، وتآكل صورة المؤسسة في عيون من
ينتمون إليها ومن يتعاملون معها.
#معادلات_خالد
#بدون_شفافية_لا_تعليم
#ردوا_للعلم_كرامته
#نريد_علمًا_لا_استعراضًا
للاسف اللى اعتاد على شئ لا يتغير مهما كان المبرر
ردحذفيا بروف ركز فى ميدانك .الجامعات ..و سوف تجد فيها جميع الانماط ..و بالتالى نظرا لان جماهيرك غالبيته زملاء فى الجامعه ..سوف تكون المقاربه اوضح . دمت بكل الود
ردحذف