زيادة راتب الأستاذ الجامعي: مطلب عادل يبدأ من الشفافية وكسر حاجز الخوف
ليست أزمة أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الحكومية أزمة مرتبات فقط، رغم أن تحسين الدخل مطلب عادل وضروري ومستحق. فالأستاذ الجامعي، بما يحمله من أعباء تعليمية وبحثية وإدارية ومجتمعية، يستحق دخلًا كريمًا يتناسب مع مكانته ودوره. لكن اختزال الأزمة في المطالبة بزيادة الراتب وحدها قد لا يكون كافيًا، لأن جزءًا كبيرًا من المشكلة يرتبط بطريقة إدارة الموارد داخل الجامعات، ومدى وضوح قواعد توزيعها، ومدى قدرة أعضاء هيئة التدريس على ممارسة دورهم الرقابي دون خوف أو تردد.
لقد توسعت الجامعات الحكومية خلال السنوات الأخيرة في مصادر دخلها الذاتي، من خلال البرامج الخاصة، ونظم الساعات المعتمدة، والكتب الإلكترونية، والخدمات التعليمية المختلفة. وهذه الموارد، إذا أُديرت بعدالة وشفافية، يمكن أن تسهم في تحسين أوضاع جميع عناصر العملية التعليمية: أعضاء هيئة التدريس، والهيئة المعاونة، والإداريين، والفنيين، والعمال.
والأخطر من ضعف الدخل أن تظهر، في أي مؤسسة، ملاحظات أو شبهات أو وقائع تستدعي الفحص بشأن طريقة توزيع العوائد أو إدارة الموارد، ثم لا تتم مراجعتها بجدية كافية. فإذا ثبت وجود خلل أو مخالفة، فإن حماية المؤسسة لا تكون بالصمت أو التجاهل، بل بالمراجعة والمحاسبة وتصحيح المسار. فسمعة الجامعة لا تُحمى بإخفاء الأخطاء، وإنما تُحمى بإثبات أن لديها من الشفافية والقوة ما يكفي لمواجهة أي خلل داخلها.
ولا تقل خطورة عن ذلك أي ممارسات قد تمس النزاهة الأكاديمية ذاتها، مثل تعديل اللوائح الدراسية أو المقررات أو توزيع الأعباء التعليمية بطرق غير واضحة أو خارج المسارات المؤسسية السليمة. فهذه الأمور، إن حدثت، لا تمس حقوق أعضاء هيئة التدريس فقط، بل تمس جودة التعليم، وحقوق الطلاب، ومصداقية الدرجة العلمية، وصورة الجامعة أمام المجتمع.
ومن غير المقبول أن يشعر أستاذ مقرر ما بأنه تحت ضغط إداري أو معنوي بسبب مقرر يدرسه، أو بسبب موقفه من آلية توزيع عوائده، أو بسبب تمسكه بحقوقه العلمية والمالية. فاللوائح الدراسية والمقررات ليست أدوات للضغط أو المجاملة أو تصفية الحسابات، بل وثائق أكاديمية يجب أن تُدار من خلال المجالس المختصة، ووفق إجراءات معلنة وموثقة.
الأزمة الحقيقية هنا ليست فقط في احتمال وجود خلل، بل في أن يخاف عضو هيئة التدريس من السؤال عنه.
وهنا تكمن الخطورة.
حين يصمت الأستاذ الجامعي خوفًا على مكافأة محدودة، أو فرصة مشاركة، أو رضا مسؤول، فإن الخسارة لا تقع عليه وحده، بل تقع على الجامعة كلها. لأن الصمت يوسع دائرة الغموض، ويجعل الحقوق تبدو كأنها منح شخصية، ويفتح الباب أمام تركّز الفرص والمناصب والعوائد في يد عدد محدود من الأشخاص.
بل إن الخوف قد يتحول أحيانًا إلى مجاملة مفرطة لمن يملكون سلطة التوزيع أو الترشيح أو الإسناد. وهنا تنتقل الأزمة من كونها أزمة مالية إلى أزمة ثقافة مؤسسية. فالمؤسسة التي تكافئ الصمت، وتضيق بالسؤال، وتخلط بين النقد والإساءة، لا يمكن أن تحقق عدالة حقيقية بين أبنائها.
إن الدور الرقابي لأعضاء هيئة التدريس ليس ترفًا، وليس خروجًا على النظام، وليس عداءً للإدارة. بل هو جزء أصيل من المسؤولية الأكاديمية والمهنية. عضو هيئة التدريس ليس مجرد منفذ للتعليمات، بل شريك في حماية الجامعة، وصاحب مصلحة مباشرة في نزاهة قراراتها، وعدالة مواردها، وسلامة لوائحها.
والرقابة هنا لا تعني التشهير، ولا الشخصنة، ولا إطلاق الاتهامات دون دليل. الرقابة الحقيقية تعني السؤال المؤسسي المحترم:
ومن هنا، فإن المطالبة بزيادة المرتبات وحدها لن تكفي إذا لم ترتبط بمطلب أوسع: إصلاح إدارة الموارد داخل الجامعات، وإعلان قواعد توزيع العوائد، ومنع تضارب المصالح، وضمان عدم تركّز المناصب والفرص في يد فئة محدودة، وحماية حق عضو هيئة التدريس في السؤال والاعتراض دون خوف أو تشويه.
كما يجب أن يكون واضحًا أن حماية المؤسسة لا تعني حماية الأشخاص من المساءلة. فالمؤسسات القوية لا تضعف عندما تراجع أداء مسؤوليها، بل تزداد قوة وثقة. أما الخلط بين سمعة المؤسسة وبقاء أي مسؤول بعيدًا عن النقد أو المراجعة، فهو خلط يضر بالمؤسسة قبل أن يضر بالأفراد.
على أعضاء هيئة التدريس أن يستعيدوا دورهم الرقابي من داخل المسارات المشروعة: مجالس الأقسام، ومجالس الكليات، واللجان المختصة، والمذكرات الرسمية، وطلبات الإفصاح، وآليات التظلم، وكل طريق قانوني وإداري متاح. فالصمت لا يحمي الحقوق، والخوف لا يصنع عدالة، والمجاملة لا تبني جامعة محترمة.
إن الأستاذ الجامعي الذي يعلّم طلابه التفكير النقدي لا يليق به أن يخاف من سؤال إداري مشروع. والجامعة التي تتحدث عن الجودة والاعتماد والتميز لا يليق بها أن تضيق بالشفافية أو تتردد في مراجعة قراراتها المالية والأكاديمية.
والخطوة الأولى نحو الإصلاح أن يدرك الأستاذ الجامعي أن حقه لا يُطلب همسًا، ولا يُترك للمجاملات، ولا يُختزل في منشور غضب على مواقع التواصل. حقه يُحمى بالوعي، والتنظيم، والتوثيق، والسؤال، والتمسك باللوائح، ورفض تحويل الموارد العامة داخل الجامعة إلى مساحات غامضة لا يعرف أصحاب الحق كيف تُدار.
فالحقوق لا تضيع فقط عندما تُنتقص، بل تضيع أيضًا عندما يخاف أصحابها من المطالبة بها.
وزيادة الراتب التي نطالب بها جميعًا لن تكون كريمة ومؤثرة إلا إذا جاءت ضمن منظومة أوسع: منظومة تعرف قيمة الأستاذ الجامعي، وتحترم حقه في المعرفة، وتحمي صوته الرقابي، وتضمن أن موارد الجامعة تعود بعدالة على كل من يشارك في بنائها.